فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 35

فلا يؤخذ أهل الذمة بما يؤخذ به المسلمون من أحكام، ويُسمَح لهم بالتقاضي فيما بينهم إلى شرائعهم، ضمن أحكام الإسلام العامة وحدوده.

فإن قيل: أين العدل في الجزية؟!

فالجواب: هي في مقابل عدم إلزامهم بالحرب والجهاد، مع حمايتهم والدفاع عنهم، وفكاك الأسرى منهم، ومن كان عاجزًا عن القتال منهم لم تُفرَض عليه؛ فلا تفرض على صبي ولا امرأة ولا معوَّق... ونحو ذلك.

«إنما بذلوا الجزية لتكون دماؤهم كدمائنا، وأموالُهم كأموالنا» () .

فإن قيل: فمن لا يدفعها اليوم يكون محاربًا؟

فالجواب: لا يكون كذلك حيث لم تُطلَب، ولم يُلزَم أحد بها اليوم، والوصف الصحيح للأقليات غير المسلمة في الدول الوطنية أنهم مستأمَنون؛ فلا يجوز اعتداء عليهم في أنفسهم، ولا في أموالهم، ولا في دُور عبادتهم.

فإن اعتدى مسلم على ذمي، أو مستأمَن فقتَلَه، فقد قال الحنفية بقتل المسلم قصاصًا، وقال المالكية: يُقتَل به إن قتله غيلةً، أو حرابةً، وقال الشافعية والحنابلة بوجوب الدِّيَةِ.

قال الله تعالى: { وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} [المائدة: 45] .

حقوق أهل الذمة في الإسلام

وبناءً على ما سبق؛ فقد كفلتِ الشريعة المطهرة لأهل الأديان الأخرى المقيمين في ديار الإسلام: أن تُحفظ كرامتهم الإنسانية، ويقام فيهم العدل الذي جاء به الوحي المعصوم، فتُحمَى دماؤهم، وتصان أموالهم، ولا يُتعَرَّض لهم وما يدينون، ولا يُجبرون على ما يخالف عقيدتهم، أو شريعتهم؛ فلا يُلزِم القاضي يهوديًّا أن يحضر إلى مجلسه يوم السبت، وليس لمن تزوج يهودية أن يجبرها على أكل لحوم محرَّمة في دينها، ومن استأجر يهوديًّا، أو نصرانيًّا فليس له منعه من الذهاب إلى دار عبادته.

ولهم الحق في التعلم والعمل المباح، وقد عملوا في وظائف الدولة المتعددة، وتقلَّدوا فيها مناصبَ، وكُفِلتْ حقوقُهم في التنقل والإقامة داخل ديار الإسلام، ولهم حق الكفاية بما تضمنه الدولة المسلمة لرعاياها، ومن افتقر، أو ضَعُفَ عن العمل سقطتْ جزيته، ولزمَتْ إعانته.

ولو عاد للدولة الإسلامية سلطانها ما اشتكى في ظل الرحمة من غير المسلمين أحد!

قال الله تعالى: {وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ} [الأنبياء: 107] .

وقال الله تعالى: { وَلَقَدۡ جِئۡنَٰهُم بِكِتَٰبٖ فَصَّلۡنَٰهُ عَلَىٰ عِلۡمٍ هُدٗى وَرَحۡمَةٗ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ} [الأعراف: 52] .

خطورة توظيف مصطلح: (الأقليات)

وبعدُ؛ فإن المسلمين لا يزالون يَذْكرون: أن من أسباب تقويض آخِر دولة جامعة لهم: استعمالَ غير المسلمين في وظائفَ مهمةٍ ممن لا يألون المسلمين خبالًا، وجَعْلَ السفراءِ في البلاد الأجنبية من النصارى، فنالها جرَّاءَ ذلك ما نالها.

ومِنْ أسفٍ: أن يستشعر المسلمون اليوم أن خطاب حقوق الأقليات يُرَاد له أن يكون سببًا في تقسيم الدول الإسلامية المعاصرة، على نحوٍ يَزيد الضعف، ويُكرِّس التبعية، وهذا يدعو المسلمين مجددًا لتحصيل القوة عبر الاجتماع والوحدة، وتركِ التنازع والفُرقة.

وأخيرًا: فكما جرى توظيف مصطلح: (الأقليات غير المسلمة) ، يجري توظيف مصطلح: (الفِرق والطوائف الإسلامية) لذات الأهداف الاستعمارية، فقد قامت دولة نصيرية في سوريا ذات الأكثرية السنية، وثانية شيعية، وثالثة كردية في العراق، وهكذا تُستدعى الإثنيات والعرقيات في البلد الواحد، وتثار قضايا القوميات والطائفية؛ لمزيدٍ من تقطيع أواصر القربى، وتمزيقِ المُمَزَّق، وتجزيء المجزَّأ.

وقد قال الله تعالى: { وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 46] .

الفصل السادس عشر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت