حقوق الأقليات.. بين الإسلام، والنظم الوضعية
تمتَّع غيرُ المسلمين الذين عاشوا في ديار الإسلام بحقوق وحريات، استُمِدَّت من القرآن والسنة وسيرة النبي ﷺ والخلفاء الراشدين، ومن سار على دربهم طيلةَ قرونِ حكمِ الإسلام، وفي ظلال دولته.
وفرقٌ واسع بين أحكام الشريعة بخصوص أهل الذمة، وبين إعلانات لا تملك الدول تنفيذها إلا بعد تعديل دساتيرها، وتغيير قوانينها، والتزام سلطاتها التنفيذية، وهو ما لا يحدث إلا قليلًا.
إن الشريعة لم تعرف في أبوابها مصطلح: «حقوق الأقليات» ؛ لأنه لم يُعرَف في العالم إلا إثر حروب البروتستانت والكاثوليك منتصف القرن التاسع عشر!
كما أن النظم الوضعية والإعلانات العالمية لحقوق الإنسان لم تعرف أحكام أهل الذمة في الإسلام!
وعليه؛ فإن محاكمة الفقه الإسلامي إلى الإعلانات العالمية والعكس يحتاج إلى تنبُّهٍ ومراعاةٍ للخصوصيات.
وأعظم الفوارق: انطلاق حقوق أهل الذمة في الدولة الإسلامية من الوحي، وانطلاق حقوق الأقليات في الدولة المعاصرة من ممارسات ضلَّت سبيلها في أوروبا، فظَلَمَتْ وجارتْ، فاتخذتْ- في النهاية- العلمانيةَ دينًا، وهذا لا يوجد في الشرق المسلم ما يُسوِّغه بحال!، ولا يتحمل الإسلام خطيئة الأنظمة العلمانية التي ظلمتِ الأقلية؛ سواء أكانت في الشرق، أم في الغرب!
قال الله تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبٗا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ} [الحجرات: 13] .
ضمان الإسلام لحقوق غير المسلمين
جاء الإسلام فصحَّح الأخطاء السابقة عليه في مسيرة الحياة؛ ولهذا كانت شريعته مهيمنةً ناسخة لما قبلها من الشرائع، وضَمِنَ استمرارَ مسيرة الحياة بما قنَّنه من القواعد الضابطة للتعامل مع المخالفين في الدين من المُسَاكِنين للأوطان في دار الإسلام.
وإذا وقعتْ قضايا آحادٍ ومسائلُ أعيانٍ انتُقِدتْ فيها ممارسةٌ منسوبة لمسلمين فهذا لا يقاوَم ولا يقابَل بشهادات مستفيضة من غير المسلمين بفئاتهم كافة، منذ فجر تاريخ الإسلام وإلى اليوم تفيض تسامحًا وعدلًا، وبرًّا وإحسانًا.
وعليه؛ فليس لدى الأمة الإسلامية الواحدة مجال -من جهة دينها- لاستعلاء عرقي، أو لغوي، أو ثقافي؛ حيث تحوَّلَ غير العرب من المسلمين إلى علماء وقادة وأمراء، ولم تعرفِ الأمة المسلمة حدودًا مصطنعة بين القوميات، أو الجنسيات المختلفة، وإنما عرفتِ الأمة قول الله تعالى: { إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ إِخۡوَةٞ} [الحجرات: 10] ، وقوله تعالى: {إِنَّ هَٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ} [الأنبياء: 92] .
الثابت والمتغير من أحكام أهل الذمة
ومما هو معلوم: أن في حقوق أهل الذمة وأحكامهم الشرعية ما هو ثابت لا يتغير، وما هو قابل للاجتهاد والتغير، والأمر مردُّه إلى أهل الاجتهاد الذين تمرَّسوا على استنطاق النصوص، وتمهَّروا باستنباط الأحكام.
والمطالبة بحقوق للأقليات تخالف الشريعة الإسلامية أمرٌ لا يتأتى بحال؛ لأنه يتناقض مع أهم القواعد الحاكمة للعيش المشترك، على أن هذا المعنى مقرَّر قانونًا في الدولة المعاصرة فيما يسمى بـ (القواعد الدولية الآمرة) .
وعليه؛ فكل ما عارض نصًّا صريحًا، أو إجماعًا قطعيًّا فلا يمكن لمسلم قبوله تحت أي مسوِّغٍ!
وقد أشار القرآن إلى مراعاة التغاير الثقافي والديني والحضاري بين المدنيات والشرائع المختلفة؛ بحيث يصح أن يقال: إن آخِر ما أمَّلته الإنسانية من حقوق الإنسان عبر المواثيق الدولية هو من أبجديات الإسلام وبدهياته!
قال الله تعالى: {فَإِن جَآءُوكَ فَٱحۡكُم بَيۡنَهُمۡ أَوۡ أَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡۖ وَإِن تُعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيۡـَٔاۖ وَإِنۡ حَكَمۡتَ فَٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِٱلۡقِسۡطِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ} [المائدة: 42] .
قاعدة العدل في معاملة أهل الذمة
والتشريع في الإسلام يقوم على قاعدة العدل؛ فالشريعة لا تجمع بين مختلفين، ولا تُمايِزُ بين متساويين، بل تقيم العدل الذي يعطي كل ذي حق حقه؛ بلا جور على أقلية، ولا انحياز لأكثرية.