فهرس الكتاب

الصفحة 90 من 501

وقد عرض اللّه عليهم الهدى وتركهم يستبقون. وجعل هذا ابتلاء لهم يقوم عليه جزاؤهم يوم يرجعون إليه، وهم إليه راجعون وإنها لتعلَّةٌ [1] باطلةٌ إذن، ومحاولة فاشلة، أن يحاول أحد تجميعهم على حساب شريعة اللّه، أوبتعبير آخر على حساب صلاح الحياة البشرية وفلاحها. فالعدول أوالتعديل في شريعة اللّه لا يعني شيئا إلا الفساد في الأرض، وإلا الانحراف عن المنهج الوحيد القويم، وإلا انتفاء العدالة في حياة البشر، وإلا عبودية الناس بعضهم لبعض، واتخاذ بعضهم لبعض أربابا من دون اللّه .. وهوشر عظيم وفساد عظيم .. لا يجوز ارتكابه في محاولة عقيمة لا تكون لأنها غير ما قدره اللّه في طبيعة البشر ولأنها مضادة للحكمة التي من أجلها قدر ما قدر من اختلاف المناهج والمشارع، والاتجاهات والمشارب .. وهوخالق وصاحب الأمر الأول فيهم والأخير. وإليه المرجع والمصير ..

إن محاولة التساهل في شيء من شريعة اللّه، لمثل هذا الغرض، تبدو- في ظل هذا النص الصادق الذي يبدومصداقه في واقع الحياة البشرية في كل ناحية - محاولة سخيفة لا مبرر لها من الواقع ولا سند لها من إرادة اللّه ولا قبول لها في حس المسلم، الذي لا يحاول إلا تحقيق مشيئة اللّه. فكيف وبعض من يسمون أنفسهم «مسلمين» يقولون: إنه لا يجوز تطبيق الشريعة حتى لا نخسر «السائحين» ؟!!!

أي واللّه هكذا يقولون! ويعود السياق فيؤكد هذه الحقيقة، ويزيدها وضوحا. فالنص الأول: «فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ» .. قد يعني النهي عن ترك شريعة اللّه كلها إلى أهوائهم!

فالآن يحذره من فتنتهم له عن بعض ما أنزل اللّه إليه: «وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ، وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ، وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ» ..

فالتحذير هنا أشد وأدق وهوتصوير للأمر على حقيقته .. فهي فتنة يجب أن تحذر .. والأمر في هذا المجال لا يعدوأن يكون حكما بما أنزل اللّه كاملا أوأن يكون اتباعا للهوى وفتنة يحذر اللّه منها.

ثم يستمر السياق في تتبع الهواجس والخواطر فيهون على رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - أمرهم إذا لم يعجبهم هذا الاستمساك الكامل بالصغيرة قبل الكبيرة في هذه الشريعة، وإذا هم تولوا فلم يختاروا الإسلام دينا أوتولوا عن الاحتكام إلى شريعة اللّه (في ذلك الأوان حيث كان هناك تخيير قبل أن يصبح هذا حتما في دار الإسلام) : «فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ. وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ» .فإن تولوا فلا عليك منهم ولا يفتنك هذا عن الاستمساك الكامل بحكم اللّه وشريعته. ولا تجعل إعراضهم يفت في عضدك أويحولك عن موقفك .. فإنهم إنما يتولون ويعرضون لأن اللّه يريد أن يجزيهم على بعض

(1) - التعلَّةُ: الحجة والذريعة ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت