اللهَ وَرَسُولَهُ فِي قِسْمَتِهَا، فَإِنَّ الرَّسُولَ إِنَّمَا يَقْسِمُها وَفْقًا لِمَا أَمَرَهُ اللهُ بِهِ، مِنْ عَدْلٍ وَإِنْصَافٍ، وَالمُؤْمِنُونَ المُتَّقُونَ، ذَوُو الإِيمَانِ الكَامِلِ، هُمُ الذِينَ يُطِيعُونَ اللهَ فِيمَا حَكَمَ، وَيُطِيعُونَ رَسُولَهُ فِيمَا قَسَمَ. [1]
وقال تعالى: {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء:114] .
لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِمَا يَتَنَاجَى بِهِ هَؤُلاءِ الذِينَ يُسِرُّونَ الحَدِيثَ، مِنْ جَمَاعَةِ ابْنِ أَبَيْرق، الذِينَ أَرَادُوا مُسَاعَدَتَهُ عَلَى اتِّهَامِ اليَهُودِيِّ وَبَهْتِهِ، وَمَنْ مَاثَلَهُمْ مِنَ النَّاسِ، وَلَنْ يَكُونَ الخَيْرُ فِي نَجْوَى النَّاسِ، إلاَّ إذَا تَنَاوَلَتْ أحَاديثُهُمْ ذِكْرَ اللهِ، أَوْ أَمْرًا بِصَدَقَةٍ، أَوْ أَمْرًا بِمَعْرُوفٍ أَوْ نَهْيًّا عَنْ مُنْكَرٍ، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ - زَوْجِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم: «كَلَامُ ابْنِ آدَمَ كُلُّهُ عَلَيْهِ لَا لَهُ إِلَّا أَمْرًا بِمَعْرُوفٍ، أَوْ نَهْيًا عَنْ مُنْكَرٍ، أَوْ ذِكْرًا لِلَّهِ» ،فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: مَا أَشَدَّ هَذَا الْحَدِيثِ، فَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: وَمَا شِدَّتُهُ أَلَيْسَ قَدْ جَاءَكُمْ نَبِيِّكُمْ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ رَبِّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ، فَقَالَ: {يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ} [النبأ:39] ،وَقَالَ: {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ} [النساء:114] إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ، إِلَى آخِرِ الْآيَةِ [2] ،أَوْ سَعْيًا فِي إِصْلاَحِ ذَاتِ البَيْنِ بَيْنَ أنَاسٍ مُخْتَلِفِينَ مُتَخَاصِمِينَ. وَمَنْ يَفُعْلْ هَذِهِ الأَعْمَالَ الثَّلاَثَةَ، ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَمَرْضَاتِهِ لاَ يَبْغِي ثَوَابَ ذَلِكَ عِنْدَ غَيْرِ اللهِ، فَسَوْفَ يُثِيبُهُ اللهُ ثَوَابًا جَزِيلًا كَثِيرًا. [3]
وعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ؟» قَالُوا: بَلَى. قَالَ: «صَلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ، وَإِنَّ فَسَادَ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ» [4]
ويجوز الكذب في الإصلاح بين الناس، فينقل لكل من الطرفين أن الآخر يثني عليه أو يريد أن يأتيه أو غير ذلك، والأولى استخدام المعاريض، فعَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أَنَّ أُمَّهُ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ، وَكَانَتْ مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ الْأُوَلِ، اللَّاتِي بَايَعْنَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم -،أَخْبَرَتْهُ، أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -،وَهُوَ يَقُولُ: «لَيْسَ الْكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ، وَيَقُولُ خَيْرًا وَيَنْمِي خَيْرًا» قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَلَمْ أَسْمَعْ يُرَخَّصُ فِي شَيْءٍ مِمَّا يَقُولُ النَّاسُ كَذِبٌ إِلَّا فِي ثَلَاثٍ: الْحَرْبُ، وَالْإِصْلَاحُ بَيْنَ النَّاسِ، وَحَدِيثُ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ وَحَدِيثُ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا" [5] ."
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:1162،بترقيم الشاملة آليا)
(2) - المعجم الكبير للطبراني (23/ 243) (484) حسن
(3) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:607،بترقيم الشاملة آليا)
(4) - الزهد لهناد بن السري (2/ 611) صحيح
(5) - صحيح مسلم (4/ 2011) 101 - (2605)
(قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: لَيْسَ الْكَذَّابُ) أَيْ: ذُو الْكَذِبِ (الَّذِي) :وَفِي رِوَايَةِ الْجَامِعِ بِالَّذِي (يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ) أَيْ: بِكَذِبِهِ (وَيَقُولُ خَيْرًا) أَيْ: لِكُلٍّ مِنَ الْمُتَخَاصِمَيْنِ مَا يُفِيدُ النَّصِيحَةَ الْمُقْتَضِيَةَ إِلَى الْخَيْرِ، وَالتَّقْدِيرُ: كَلَامَ خَيْرٍ أَوْ قَوْلَ خَيْرٍ أَيْ حَسَنًا، أَوْ يَقُولُ كَلَامَ خَيْرٍ الَّذِي رُبَّمَا سَمِعَهُ مِنْهُ وَيَدَعُ شَرَّهُ عَنْهُ. (وَيَنْمِي خَيْرًا) :بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْمِيمِ أَيْ: وَيُبْلِغُهُ لَهُمَا مَا لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْهُمَا مِنَ الْخَيْرِ بِأَنْ يَقُولَ: فُلَانٌ يُسَلِّمُ عَلَيْكَ وَيُحِبُّكَ وَمَا يَقُولُ فِيكَ إِلَّا خَيْرًا وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَهَذَا ظَاهِرُ الْحَدِيثِ. وَقَالَ الْقَاضِي: أَيْ يُبَلِّغُ خَيْرَ مَا سَمِعَهُ وَيَدَعُ شَرَّهُ قُلْتُ: فَلَا يَظْهَرُ وَجْهُ نَفْيِ الْكَذِبِ عَنْهُ مَعَ أَنَّ الْكَلَامَ فِي مَعْنَى اسْتِثْنَاءِ الْكَذِبِ، وَسَيَأْتِي صَرِيحُ الِاسْتِثْنَاءِ قَالَ، يُقَالُ: نَمَيْتُ الْحَدِيثَ مُخَفَّفًا فِي الْإِصْلَاحِ، وَنَمَّيْتُهُ مُثْقَلًا فِي الْإِفْسَادِ، وَكَانَ الْأَوَّلُ مِنَ النَّمَاءِ لِأَنَّهُ رَفْعٌ لِمَا يَبْلُغُهُ، وَالثَّانِي مِنَ النَّمِيمَةِ. قُلْتُ: مُرَادُهُ أَنَّ أَصْلَ الثَّانِي نَمَمْتُهُ بِالْمِيمَيْنِ وَإِبْدَالِ الثَّانِيَةِ، كَمَا فِي: تَقْضِي الْبَازِيَّ، وَلَكِنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ، فَفِي الْقَامُوسِ ذَكَرَهُمَا فِي مَادَّةٍ وَاحِدَةٍ فَقَالَ: نَمَا يَنْمُو زَادَ كَنَمَى يُنَمِّي وَأَنْمَى وَنَمَّى، وَالْحَدِيثُ ارْتَفَعَ وَنَمَيْتُهُ رَفَعْتُهُ، وَأَنْمَاهُ أَذَاعَهُ عَلَى وَجْهِ النَّمِيمَةِ اهـ.
وَمَفْهُومُهُ أَنَّ الْمُخَفَّفَ وَالْمُثَقَّلَ مِنْهُمَا لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، وَإِنَّمَا الْإِنْمَاءُ يُسْتَعْمَلُ فِي الْإِفْسَادِ، وَعُبِّرَ عَنْهُ بِالنَّمِيمَةِ لَا مُشْتَقَّ مِنْهَا، وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَيَنْمِي الْمُخَفَّفُ فِي الْحَدِيثِ مُتَعَيِّنٌ لِمَعْنَى الْإِصْلَاحَ فَقَوْلُهُ خَيْرًا لِإِفَادَةِ التَّأْكِيدِ، أَوْ عَلَى قَاعِدَةِ التَّجْرِيدِ، أَوْ عَلَى أَنَّهُ بِالْمَعْنَى الْأَعَمِّ، فَيَحْتَاجُ إِلَى التَّقْيِيدِ، وَهُوَ الْأَصْهَرُ فَتَدَبَّرْ، ثُمَّ قَالَ: وَإِنَّمَا نُفِيَ عَنِ الْمُصْلِحِ كَوْنُهُ كَذَّابًا بِاعْتِبَارِ قَصْدِهِ دُونَ قَوْلِهِ قُلْتُ الْقَصْدُ صَحِيحٌ، وَأَمَّا قَوْلُهُ دُونَ قَوْلِهِ فَمُنَاقِضٌ لِقَوْلِهِ الْأَوَّلِ فَتَأَمَّلْ. وَسَيَأْتِي تَحْقِيقُ الْمَرَامِ نَقْلًا عَنِ الْعُلَمَاءِ الْكِرَامِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) :وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِلَفْظِ: فَيَنْمِي خَيْرًا. مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (8/ 3150)