فهرس الكتاب

الصفحة 469 من 501

وفي التنزيل قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [الأنفال:27]

نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي أَبِي لُبَابَةَ حِينَ بَعَثَهُ الرَّسُولُ - صلى الله عليه وسلم - إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ لِيَنْزِلُوا عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللهِ، فَاسْتَشَارَ اليَهُودُ أَبَا لُبَابَةَ - وَكَانَ حَلِيفًا لَهُمْ - فَأَشَارَ عَلَيْهِمْ بِالنُّزُولِ عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللهِ، وَلَكِنَّهُ أَشَارَ بِيَدِهِ إلَى حَلْقِهِ، أَيْ أَنَّه الذَّبْحَ. ثُمَّ شَعَرَ أَنَّهُ خَانَ اللهَ وَرَسُولَهُ، فَرَبَطَ نَفْسَهُ فِي سَارِيَةِ المَسْجِدِ تِسْعَةِ أَيَّامٍ لاَ يَذُوقُ طَعَامًا حَتَّى تَابَ اللهُ عَلَيْهِ، فَأَطْلَقُهُ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. (وَقِيلَ أَيْضًا إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي حَاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ، الذِي أَرْسَلَ رِسَالَةً إِلَى قُرَيْشٍ مَعَ امْرَأَةٍ يُعْلِمُهَا فِيهَا بِأَنَّ الرَّسُولَ تَجَهَّزَ لِغَزْوِهِمْ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ) .وَالآيَةُ عَامَّةٌ.

يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ فِي هَذِهِ الآيَةِ بِأَنْ لاَ يَخُونُوا اللهَ بِارْتِكَابِ الذُّنُوبِ، وَأَنْ يَخُونُوا رَسُولَهُ بِتَرْكِ سُنَنِهِ، وَارْتِكَابِ مَعْصِيَتِهِ، وَأنْ لاَ يَخُونُوا أَمَانَاتِهِمْ فِي أَعْمَالِهِمْ التِي ائْتَمَنَ اللهُ العِبَادَ عَلَيهَا: يَعْنِي الفَرَائِضَ، وَهِيَ تَشْمَلُ أَمَانَةَ الإِنْسَانِ نَحْوَ النَّاسِ فِي تَعَامُلِهِ مَعَهُمْ: كَالمِكْيَالِ وَالمِيْزَانِ، وَأَدَاءِ الشَّهَادَةِ بِالحَقِّ وَالصِّدْقِ، وَكِتْمَانِ السِّرِّ .. إلخ. فَالأَمَانَةُ وَاحِدَةُ وَلاَ تَبْعِيضَ فِيهَا، وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ مَسَاوِىَء الخِيَانَةِ، وَسُوءَ عَاقِبَتِهَا. [1]

وقد ورى البخاري رحمه الله عن أَنَسَ بْنِ مَالِكٍ: «أَسَرَّ إِلَيَّ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - سِرًّا، فَمَا أَخْبَرْتُ بِهِ أَحَدًا بَعْدَهُ، وَلَقَدْ سَأَلَتْنِي أُمُّ سُلَيْمٍ فَمَا أَخْبَرْتُهَا بِهِ» [2]

وعَنْ أَنَسٍ، قَالَ: أَتَى عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -،وَأَنَا أَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ، قَالَ: فَسَلَّمَ عَلَيْنَا، فَبَعَثَنِي إِلَى حَاجَةٍ، فَأَبْطَأْتُ عَلَى أُمِّي، فَلَمَّا جِئْتُ قَالَتْ: مَا حَبَسَكَ؟ قُلْتُ بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لِحَاجَةٍ، قَالَتْ: مَا حَاجَتُهُ؟ قُلْتُ: إِنَّهَا سِرٌّ، قَالَتْ: لَا تُحَدِّثَنَّ بِسِرِّ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أَحَدًا قَالَ أَنَسٌ: وَاللهِ لَوْ حَدَّثْتُ بِهِ أَحَدًا لَحَدَّثْتُكَ يَا ثَابِتُ" [3] "

قلت: وأم سليم هي أم أنس، قال ابن حجر في شرح هذا الحديث: [قالَ بَعض العُلَماء: كَأَنَّ هَذا السِّرّ يَختَصّ بِنِساءِ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم -،وإِلاَّ فَلَو كانَ مِنَ العِلم ما وسِعَ أَنَسًا كِتمانه.

وقالَ ابن بَطّال: الَّذِي عَلَيهِ أَهل العِلم أَنَّ السِّرّ لا يُباح بِهِ إِذا كانَ عَلَى صاحِبه مِنهُ مَضَرَّة، وأَكثَرهم يَقُول: إِنَّهُ إِذا ماتَ لا يَلزَم مِن كِتمانه ما كانَ يَلزَم فِي حَياته إِلاَّ أَن يَكُون عَلَيهِ فِيهِ غَضاضَة قُلت: الَّذِي يَظهَر انقِسام ذَلِكَ بَعد المَوت إِلَى ما يُباح، وقَد يُستَحَبّ ذِكره ولَو كَرِهَهُ صاحِب السِّرّ، كَأَن يَكُون فِيهِ

(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:1188،بترقيم الشاملة آليا)

(2) - صحيح البخاري (8/ 65) (6289) وصحيح مسلم (4/ 1930) 146 - (2482)

(3) - صحيح مسلم (4/ 1929) 145 - (2482)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت