فهرس الكتاب

الصفحة 460 من 501

وعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، قَالَ: جَاءَ أَبُو مُوسَى إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ هَذَا عَبْدُ اللهِ بْنُ قَيْسٍ، فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ هَذَا أَبُو مُوسَى، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ هَذَا الْأَشْعَرِيُّ، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَقَالَ: رُدُّوا عَلَيَّ رُدُّوا عَلَيَّ، فَجَاءَ فَقَالَ: يَا أَبَا مُوسَى مَا رَدَّكَ؟ كُنَّا فِي شُغْلٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «الِاسْتِئْذَانُ ثَلَاثٌ، فَإِنْ أُذِنَ لَكَ، وَإِلَّا فَارْجِعْ» قَالَ: لَتَأْتِيَنِّي عَلَى هَذَا بِبَيِّنَةٍ، وَإِلَّا فَعَلْتُ وَفَعَلْتُ، فَذَهَبَ أَبُو مُوسَى. قَالَ عُمَرُ: إِنْ وَجَدَ بَيِّنَةً تَجِدُوهُ عِنْدَ الْمِنْبَرِ عَشِيَّةً، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ بَيِّنَةً فَلَمْ تَجِدُوهُ، فَلَمَّا أَنْ جَاءَ بِالْعَشِيِّ وَجَدُوهُ، قَالَ: يَا أَبَا مُوسَى، مَا تَقُولُ؟ أَقَدْ وَجَدْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ، أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ، قَالَ: عَدْلٌ، قَالَ: يَا أَبَا الطُّفَيْلِ مَا يَقُولُ هَذَا؟ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ ذَلِكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ فَلَا تَكُونَنَّ عَذَابًا عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -،قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ إِنَّمَا سَمِعْتُ شَيْئًا، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَتَثَبَّتَ." [1] "

وعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: اطَّلَعَ رَجُلٌ مِنْ جُحْرٍ فِي حُجَرِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -،وَمَعَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - مِدْرًى يَحُكُّ بِهِ رَأْسَهُ، فَقَالَ: «لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكَ تَنْظُرُ، لَطَعَنْتُ بِهِ فِي عَيْنِكَ، إِنَّمَا جُعِلَ الِاسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ البَصَرِ» [2]

وقد دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: مشروعية الاستئذان ووجوبه، وقد تظاهرت به دلائل القرآن والسنة، قال الحافظ: ويؤخذ منه أنه يشرع الاستئذان على كل أحد حتى المحارم، فقد تكون منكشفة العورة، وقد أخرج البخاري في"الأدب المفرد"عن نافع: كان ابن عمر إذا بلغ بعض ولده الحلم لم يدخل عليه إلاّ بإذن ومن طريق علقمة سألت ابن عباس: أأستأذن على أختي؟ قال: نعم، قلت إنها في حجري!

(1) - صحيح مسلم (3/ 1696) 37 - (2154)

الِاسْتِئْذَانُ) لِلدُّخُولِ، وَهُوَ اسْتِدْعَاءُ الْإِذْنِ، أَيْ طَلَبُهُ (ثَلَاثٌ) مِنَ الْمَرَّاتِ، (فَإِنْ أُذِنَ لَكَ فَادْخُلْ وَإِلَّا فَارْجِعْ) ؛لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، قَالَ: {فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ} [النور:28] (سورة النُّورِ: الْآيَةَ:28) ،قَالَ الْمَازِرِيُّ: صُورَةُ الِاسْتِئْذَانِ أَنْ يَقُولَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، أَدْخُلُ؟،ثُمَّ هُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يُسَمِّيَ نَفْسَهُ أَوْ لَا.

وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: لَا يَتَعَيَّنُ هَذَا اللَّفْظُ، وَبَيَّنَ حِكْمَةَ الثَّلَاثِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ فِي الْأَفْرَادِ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ مَرْفُوعًا:" «الِاسْتِئْذَانُ ثَلَاثٌ: فَالْأُولَى تُسْمِعُونَ، وَالثَّانِيَةُ: يَسْتَصْلِحُونَ، وَالثَّالِثَةُ: يَأْذَنُونَ أَوْ يَرُدُّونَ» "،قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: قَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ: لَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى الثَّلَاثِ فِي الِاسْتِئْذَانِ.

وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِذَا لَمْ يَسْمَعْ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَزِيدُوا. وَرَوَى سَحْنُونٌ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ: لَا أُحِبُّ أَنْ يَزِيدَ عَلَى ثَلَاثٍ إِلَّا مَنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ. وَقِيلَ: تَجُوزُ الزِّيَادَةُ مُطْلَقًا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالرُّجُوعِ بَعْدَ الثَّلَاثِ لِلْإِبَاحَةِ وَالتَّخْفِيفِ عَنِ الْمُسْتَأْذِنِ، فَمَنِ اسْتَأْذَنَ أَكْثَرَ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ، انْتَهَى. شرح الزرقاني على الموطأ (4/ 576)

(2) - صحيح البخاري (8/ 54) (6241)

:أَيْ: مِنَ النَّظَرِ إِلَى غَيْرِ الْمُحَرَّمِ وَلَوْلَاهُ لَمَا شُرِعَ. وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ: إِنَّمَا احْتِيجَ إِلَى الِاسْتِئْذَانِ فِي الدُّخُولِ لِئَلَّا يَقَعُ النَّظَرُ مَنْ هُوَ خَارِجٌ إِلَى دَاخِلِ الْبَيْتِ، فَيَكُونُ بِلَا اسْتِئْذَانٍ كَالدُّخُولِ بِلَا اسْتِئْذَانٍ. قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ جَوَازُ رَمْيِ عَيْنِ الْمُتَطَلِّعِ بِشَيْءٍ خَفِيفٍ، وَلَوْ فُقِئَتْ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إِذَا نَظَرَ فِي بَيْتٍ لَيْسَ فِيهِ مَحْرَمٌ لَهُ، كَذَا نَقَلَهُ الطِّيبِيُّ هُنَا، لَكِنَّ قَوْلَهُ بِشَيْءٍ خَفِيفٍ إِنَّمَا يُلَائِمُ الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ فَتَأَمَّلْ، وَأَمَّا هَذَا الْحَدِيثُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى إِرَادَةِ الزَّجْرِ وَالتَّغْلِيظِ، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْحَدِيثَيْنِ، وَالْفَرْقُ عِنْدَهُ بَيْنَهُمَا عَلَى فَرْضِ الْوُقُوعِ أَنَّ فِي الْأَوَّلِ الدِّيَةَ. وَفِي الثَّانِي الْقِصَاصَ، هَذَا هُوَ مُقْتَضَى مَذْهَبِهِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (6/ 2298)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت