* قال ابن القيم رحمه الله:"وَخَطَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَوْمًا وَعَلَيْهِ ثَوْبَانِ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ أَلَا تَسْمَعُونَ؟ فَقَالَ سَلْمَانُ: لَا نَسْمَعُ، فَقَالَ عُمَرُ: وَلِمَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ؟ قَالَ: إنَّك قَسَّمْت عَلَيْنَا ثَوْبًا ثَوْبًا وَعَلَيْك ثَوْبَانِ، فَقَالَ: لَا تَعْجَلْ. يَا عَبْدَ اللَّهِ، يَا عَبْدَ اللَّهِ، فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، فَقَالَ: لَبَّيْكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ: نَشَدْتُك اللَّهَ الثَّوْبُ الَّذِي ائْتَزَرْتُ بِهِ أَهْوَ ثَوْبُكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، اللَّهُمَّ نَعَمْ، فَقَالَ سَلْمَانُ: أَمَّا الْآنَ فَقُلْ نَسْمَعْ." [1] .والأدلة في هذا كثيرة، كمراجعة بعض الصحابة لمعاوية لما استخلف ابنه يزيد ابنه يزيد، وغير ذلك.
والذي أراه ـ والله أعلم بالحق ـ أن الإسرار بالنصح للأمير أو الجهر به يتوقف على:
أولا: حال المنصوح (الأمير) فيختار الناصح أنسب وسيلة حسب حال المنصوح وما يقبله.
ثانيا: حال الموجودين: فقد يكون نصحه سرا أولى حتى لا يجترئ الناس على الأمير فتقع فتنة وتفترق الكلمة كما فعل أسامة بن زيد مع عثمان بن عفان رضي الله عنهم، وقد يكون الجهر بالنصيحة أفضل حتى يسمع الناس فينتصحوا بنفس النصيحة كما في نصح أبي شريح بشأن تحريم مكة ليكف الناس عن الخروج في جيش الأمير الذاهب للقتال في مكة. وهكذا.
ثالثا: حال النصح: ألا يقوم مقام رياء وسمعة بنصحه، ليقال عنه: هذا الذي نصح الأمير عندما سكت غيره، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: شَكَا أَهْلُ الكُوفَةِ سَعْدًا إِلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَعَزَلَهُ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ عَمَّارًا، فَشَكَوْا حَتَّى ذَكَرُوا أَنَّهُ لاَ يُحْسِنُ يُصَلِّي، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا أَبَا إِسْحَاقَ إِنَّ هَؤُلاَءِ يَزْعُمُونَ أَنَّكَ لاَ تُحْسِنُ تُصَلِّي، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: أَمَّا أَنَا وَاللَّهِ «فَإِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي بِهِمْ صَلاَةَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مَا أَخْرِمُ
(1) - لم أجد لها سندا وقد ذكرها ابن القيم في إعلام الموقعين عن رب العالمين (2/ 123)
يبدو لي أنه ليس مقصود (سلمان) رضي الله عنه إباحة التمرد على السلطة، وشق وحدة الأمة بسبب أدنى مخالفة، بل مقصوده - والله أعلم - الإيماء إلى حقيقة أن الإخلال بالمبادئ من قبل الحاكم سيؤدي إلى إخلال الرعية بالطاعة، وهذه قاعدة لا تتخلف قدرًا أيضًا، وذلك من الميزان الذي وضعه الله تعالى وأنزل به الكتاب، وهذا من عظيم الفقه الذي تميز به سلف هذه الأمة حيث كانوا يعبرون عن المعاني والمفاهيم الكبيرة العظيمة بأوجز الألفاظ أو بالمواقف أحيانًا"الحسبة لابن تيمية ت الشحود (ص:132) "