وبالدعاء يبرأ المرء من حوله وقوته إلى حول الله تعالى وقوته فهو يعبر عن حقيقة التوكل.
وقد سنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أدعية في مقام الجهاد وقتال الأعداء مفصلة في كتب الأذكار، يجب على الأخ المجاهد أن يحفظها ويحرص عليها [1] .
ودعاء المؤمن مقبول إن شاء الله تعالى إذا كان رزقه حلالا ولم يدع بإثم أو قطيعة رحم وما لم يستعجل، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم:"أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا، إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [المؤمنون:51] وَقَالَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [البقرة:172] ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟" [2]
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ: «لَا يَزَالُ يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ، مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ، مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ» قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا الِاسْتِعْجَالُ؟ قَالَ: يَقُولُ: «قَدْ دَعَوْتُ وَقَدْ دَعَوْتُ، فَلَمْ أَرَ يَسْتَجِيبُ لِي، فَيَسْتَحْسِرُ عِنْدَ ذَلِكَ وَيَدَعُ الدُّعَاءَ» [3] .
(وَعَنْهُ) :أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -"يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ":أَيْ: بَعْدَ شُرُوطِ الْإِجَابَةِ"مَا":ظَرْفُ يُسْتَجَابُ بِمَعْنَى الْمُدَّةِ أَيْ: مُدَّةَ كَوْنِهِ"لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ":مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ قَدِّرْنِي عَلَى قَتْلِ فُلَانٍ وَهُوَ مُسْلِمٌ، أَوِ اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي الْخَمْرَ، أَوِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِفُلَانٍ وَهُوَ مَاتَ كَافِرًا يَقِينًا، أَوِ اللَّهُمَّ خَلِّدْ فُلَانًا الْمُؤْمِنَ فِي النَّارِ، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِنَ الْمُسْتَحِيلَاتِ، كَرُؤْيَةِ اللَّهِ يَقَظَةً فِي الدُّنْيَا، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ، فِي تَخْلِيدِ الْمُؤْمِنِ وَالرُّؤْيَةِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ، فَإِنَّ الْخِلَافَ شَهِيرٌ فِي ذِي الْكَبِيرَةِ إِذَا مَاتَ مُصِرًّا، وَرُؤْيَةُ اللَّهِ تَعَالَى غَيْرُ مُسْتَحِيلَةٍ، وَإِلَّا لَمْ يَطْلُبْهَا مُوسَى - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَمَرْدُودٌ، إِذْ لَا عِبْرَةَ بِخِلَافِ الْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ، وَلِأَنَّ رُؤْيَةَ اللَّهِ مُسْتَحِيلَةٌ شَرْعًا، وَطَلَبُ مُوسَى - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَ مَبْنِيًّا عَلَى أَنَّهَا غَيْرُ مُسْتَحِيلَةٍ عَقْلًا، فَلَمَّا أَفَاقَ وَعَلِمَ بِاسْتِحَالَتِهِ شَرْعًا قَالَ: سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ، وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ. أَيْ: بِأَنْ لَا تُرَى فِي الدُّنْيَا. قِيلَ: وَمِنْهُ
(1) - يمكن مراجعتها في الفصل الخاص بها كتاب الأذكار للنووي رحمه الله ص 185 ـ 193
(2) - صحيح مسلم (2/ 703) 65 - (1015)
[ش (إن الله طيب) قال القاضي الطيب في صفة الله تعالى بمعنى المنزه عن النقائص وهو بمعنى القدوس وأصل الطيب الزكاة والطهارة والسلامة من الخبث (ثم ذكر الرجل) هذه الجملة من كلام الراوي والضمير فيه للنبي - صلى الله عليه وسلم - والرجل بالرفع مبتدأ مذكور على وجه الحكاية من لفظ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويجوز أن ينصب على أنه مفعول ذكر (وغذي) بضم الغين وتخفيف الذال]
(3) - صحيح مسلم (4/ 2096) 92 - (2735)
[ش (فيستحسر) قال أهل اللغة يقال حسر واستحسر إذا أعيا وانقطع عن الشيء والمراد هنا أنه ينقطع عن الدعاء ومنه قوله تعالى لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون أي لا ينقطعون عنها]