فهرس الكتاب

الصفحة 382 من 501

فالتوكل هو ثمرة الفقه في أسماء الله تعالى وصفاته، كصفات العلم والقدرة والرحمة والحكمة، فمن أيقن بكمال علم الله تعالى وأنه سبحانه يعلم ما كان وما يكون ومالا يكون لو كان كيف يكون، وأنه سبحانه عالم الغيب والشهادة، اعتمد عليه وفوض أمره إليه لأنه سبحانه يعلم من مصالح العبد الآجلة والعاجلة مالا يعلمه العبد نفسه، ولذلك قال شعيب عليه السلام: { .. وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ} [الأعراف:89] .

فبين أن التوكل هو ثمرة اليقين بسعة علم الله تعالى وكماله.

وكذلك القدرة، فإذا أيقنت بأن الله على كل شيء قدير، وأنه لا يعجزه شيء في السموات ولا في الأرض، اعتمدت عليه في قضاء حوائجك من جلب منفعة أو دفع مضرة، كما قال تعالى عن هود عليه السلام: {إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [هود:56] .

إِنِّي وَكَّلْتُ أُمُورِي إلى اللهِ، وَهُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمُ الحَقُّ، خَلَقَ المَخْلُوقَاتِ كُلَّها، وَجَعَلَهَا تَحْتَ قَهْرِهِ وَسُلْطَانِهِ، وَهُوَ الحَاكِمُ العَادِلُ الذِي لاَ يَجُوزُ فِي حُكْمِهِ. وَأَفْعَالُهُ تَعَالى، تَجْرِي عَلَى طَريقِ الحَقِّ وَالعَدْلِ فِي مُلْكِهِ. أَمَّا الأَصْنَامُ وَالأَوْثَانُ فَهِيَ حِجَارَةٌ لاَ تَضُرُّ وَلاَ تَنْفَعُ وَلاَ تَمْلِكُ لِنَفْسِهَا ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا. [1]

فبين أن من أسباب توكله علمه بأنه ما من دابة إلا والله آخذ بناصيتها وتحت سلطانه وقهره، فلا يخشى من قومه الذين كفروا به شيئا طالما كانوا تحت قهر ربه سبحانه وتعالى وقدرته، إلا ما شاء الله سبحانه. وكذلك صفة الرحمة، العلم بها باعث على التوكل، كما قال تعالى عن يعقوب عليه السلام: {فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [يوسف:64]

هو عزاء له، يعزّى به نفسه في حزنه على يوسف، وذلك بتسليم الأمر لله سبحانه، والاستسلام لقدره، والرضا بمقدوره. وأنه سبحانه لو أراد حفظ يوسف لحفظه، فهو خير الحافظين، لا يقع شىء في هذا الوجود إلا بأمره .. «وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ» .. فما ينزل بالناس من مكروه، هو واقع بهم من ربّ رحيم، فهو رحمة بالنسبة لما هو أقسى منه وأوجع! [2]

وكذلك صفة الحكمة، فتعلم أن لله حكمة بالغة فيما قضى لك به وإن بدا لك غير ذلك، فثمرة التوكل الرضا بالقضاء، ولذلك ورد في قول هود عليه السلام بعدما أعلن توكله وبَيَّن أنه مبني على علمه بقدرة الله تعالى: {إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [هود:56]

(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:1530،بترقيم الشاملة آليا)

(2) - التفسير القرآني للقرآن (7/ 15)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت