قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلاَ إِمَامٌ؟ قَالَ: «فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الفِرَقَ كُلَّهَا، وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ، حَتَّى يُدْرِكَكَ المَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ» [1] .
ثم إن كثيرا من الدعاة تُكَذِّب أفعالُهم أقوالَهم. وإذا أردت أن تختبر صدق الداعية في هذا الزمان فاسأله عن الطواغيت وعن حكم جهادهم، فإن صدقك القول فانظر في فعله وسيرته هل تصدق قوله أم لا؟ لقد أصبحت هذه المسألة في هذا الزمان فُرْقَانَا بين الحق والضلال، تماما كما كانت مسألة خلق القرآن زمن أحمد بن حنبل رضي الله عنه. كذلك فإن هناك أعمالا تقدم للناس على أنها إسلامية وحقيقتها ليست كذلك بل منها ما يهدف إلى نهب صدقات المسلمين أو يهدف لتحقيق مآرب شخصية أو حزبية، ومنها ـ وهو أشرها ـ ما هو حقيقته مراكز تجسس تعمل لحساب الطواغيت ولنشر دعاياتهم وكفرهم تحت غطاء إسلامي كمسجد الضرار، قال تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (107) لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (108) } [التوبة:107،108]
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ هَؤُلاَءِ هُمْ أُنَاسٌ مِنَ الأَنْصَارِ بَنُوا مَسْجِدًا، فَقَالَ لَهُمْ أَبُو عَامِرِ الرَّاهِبُ (وَهُوَ رَجُلٌ مِنَ الخَزْرَجِ تَنَصَّرَ فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَأَبَي الإِسْلاَمَ، وَأَخَذَ يَكِيدُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَيَتَآمَرُ عَلَيْهِمْ مَعَ قُرَيشٍ، وَمَعَ
(1) - صحيح البخاري (9/ 51) (7084) وصحيح مسلم (3/ 1475) 51 - (1847)
[ش (دعاة على أبواب جهنم) قال العلماء هؤلاء من كان من الأمراء يدعو إلى بدعة أو ضلال آخر كالخوارج والقرامطة وأصحاب المحنة وفي حديث حذيفة هذا لزوم جماعة المسلمين وإمامهم ووجوب طاعته وإن فسق وعمل المعاصي من أخذ الأموال وغير ذلك فتجب طاعته في غير معصية وفيه معجزات لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهي هذه الأمور التي أخبر بها وقد وقعت كلها]
(قُلْتُ: فَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ:"نَعَمْ، دُعَاةٌ") :جَمْعُ دَاعٍ (عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ) قَالَ الْأَشْرَفُ: أَيْ جَمَاعَةٌ يَدْعُونَ النَّاسَ إِلَى الضَّلَالَةِ وَيَصُدُّوهُمْ عَنِ الْهُدَى بِأَنْوَاعٍ مِنَ التَّلْبِيسِ، وَمِنَ الْخَيْرِ إِلَى الشَّرِّ، وَمِنَ السُّنَّةِ إِلَى الْبِدْعَةِ، وَمِنَ الزُّهْدِ إِلَى الرَّغْبَةِ. جَعَلَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - دَعْوَةَ الدُّعَاةِ وَإِجَابَةَ الْمَدْعُوِّينَ سَبَبًا لِإِدْخَالِهِمْ إِيَّاهُمْ فِي جَهَنَّمَ، وَدُخُولِهِمْ فِيهَا، وَجَعَلَ كُلَّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ التَّلْبِيسِ مَنْزِلَةَ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ جَهَنَّمَ (مَنْ أَجَابَهُمْ) أَيِ الدُّعَاةِ ("إِلَيْهِ") أَيْ: إِلَى جَهَنَّمَ، يَعْنِي: إِلَى الضَّلَالَةِ الْمُؤَدِّيَةِ إِلَيْهَا ("قَذَفُوهُ فِيهِ") ،أَيْ: رَمَوْهُ وَصَارُوا سَبَبًا لِقَذْفِهِ فِي جَهَنَّمَ. قِيلَ: الْمُرَادُ بِالدُّعَاةِ مَنْ قَامَ فِي طَلَبِ الْمُلْكِ مِنَ الْخَوَارِجِ وَالرَّوَافِضِ، وَغَيْرِهِمَا مِمَّنْ لَمْ يُوجَدْ فِيهِمْ شُرُوطُ الْإِمَارَةِ وَالْإِمَامَةِ وَالْوِلَايَةِ، وَجُعِلُوا دُعَاةً عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ بِاعْتِبَارِ الْمَآلِ، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا} [النساء:10] ،وَقِيلَ: هُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ - وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} [الانفطار:13 - 14] ،فَكَأَنَّهُمْ كَائِنُونَ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ، دَاعِينَ النَّاسَ إِلَى الدُّخُولِ فِي ضِيَافَتِهِمْ؛ أَوْ لِأَنَّ الْمُبَاشِرَ بِسَبَبِ شَيْءٍ، فَكَأَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِ دَاخِلٌ فِيهِ.
(قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! صِفْهُمْ لَنَا) ،أَيْ: إِنَّهُمْ مِنَّا أَوْ مِنْ غَيْرِنَا؟ (قَالَ:"هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا") ،أَيْ: مِنْ أَنْفُسِنَا وَعَشِيرَتِنَا، كَذَا فِي النِّهَايَةِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ مِنْ أَهْلِ مِلَّتِنَا، ذَكَرَهُ الْأَشْرَفُ، وَهُوَ الْأَلْطَفُ، وَقِيلَ: مِنْ أَبْنَاءِ جِنْسِنَا، وَفِيهِ أَنَّ الْجِلْدَةَ أَخَصُّ مِنَ الْجِلْدِ، وَجِلْدُ الشَّيْءِ ظَاهِرُهُ، وَهُوَ فِي الْأَصْلِ غِشَاءُ الْبَدَنِ. ("وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا") أَيْ: بِالْعَرَبِيَّةِ، أَوْ بِالْمَوَاعِظِ وَالْحِكَمِ، أَوْ بِمَا قَالَ اللَّهُ وَقَالَ رَسُولُهُ، وَمَا فِي قُلُوبِهِمْ شَيْءٌ مِنَ الْخَيْرِ، يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ، مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (8/ 3381)