فهرس الكتاب

الصفحة 367 من 501

السماحة واليسر والطلاقة من الإحن والأضغان .. هي جماعة متضامة، وجماعة متآخية، وجماعة قوية. ومن ثم علاقة هذا التوجيه بالمعركة في الميدان والمعركة في الحياة على السواء في هذا السياق! [1]

ومع هذا الأجر الذي يناله المسلم بالصبر على أذى إخوانه، فإن هناك فائدة أخرى يحصل عليها المسلم بمخالطة الناس وهي أنه يعرف آفات نفسه فمن كان سريع الغضب لا يدرك هذا من نفسه ما لم يخالط الناس ويتعرض لأذاهم، فإن فعل، أدرك آفات نفسه وسعى في تقويمها. وهكذا كثير من آفات النفس لا يدركها العبد إلا بالمخالطة.

وقد أردت التنبيه على هذا الأمر خاصة وأن كثيرا من المسلمين يصبرون على أذى الأعداء ولا يصبرون على أذى إخوانهم، كما قال الشاعر:

وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على النفس من وقع الحسام المهنّد.

فأردت أن أعلمهم بأن الصبر على أذى الإخوة واجب، وأننا نتعبد بالصبر على غيره، ونرجو به الأجر والثواب من الله تعالى.

وهنا تنبيه آخر متعلق بسابقه، وهو أن سوء سلوك بعض الإخوة قد يدفع بالبعض الآخر إلى ترك ميدان الجهاد بحجة أنه لا يجوز الجهاد مع مثل هؤلاء، أو أنه لا فائدة من الجهاد مع مثل هؤلاء، أو أنه لا يتنزل النصر على مثل هؤلاء، أو أنه ما جئنا للجهاد إلا لمقاومة الفساد فكيف يكون في صفوفنا فاسدون، أو أنه ينبغي أن نؤجل الجهاد حتى ننهض بالمستوى التربوي للإخوة. وكل هذه أعذار باطلة.

وقد اتفق الفقهاء على أن حفظ الدين مقدم على حفظ النفس في الضروريات الشرعية الخمس، فالجهاد الذي به حفظ الدين واجب وإن أدى إلى القتل، فكيف يتحمل المسلم القتل والجراح ولا يتحمل أذى إخوانه من أجل قيام الجهاد واستمراره حفظا لدين الله تعالى؟ ثم إنه مع ذلك ـ مأجور بصبره على أذى إخوانه ـ كما أسلفت ـ إن شاء الله تعالى. فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنَّ نَاسًا مِنَ الأَنْصَارِ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -،فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوهُ، فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوهُ، فَأَعْطَاهُمْ حَتَّى نَفِدَ مَا عِنْدَهُ، فَقَالَ: «مَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ» [2]

ومعناه أن الصبر خلق يُكْتسب بالمجاهدة «يَتَصَبَّر» تارة فتارة حتى يصير الصبر خلقا لازما للعبد ...

(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص:775)

(2) صحيح البخاري (2/ 122) (1469)

(فلن أدخره عنكم) لن أحبسه وأمنعكم منه. (يستعفف) يظهر العفة ويكف عن السؤال]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت