فَأَمَرَنِي بِمَا أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ «صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا وَاجْعَلْ صَلَاتَهُمْ تَسْبِيحًا» فَذَكَرْتُ فَضِيلَةَ الْجَمَاعَةِ فَضَرَبَ عَلَى فَخِذِي وَقَالَ: وَيْحَكَ إِنَّ الْجَمَاعَةَ مَا وَافَقَ طَاعَةَ اللَّهِ" [1] "
ثم يحكم عليها بعد صحة المنهج بصدق أتباعها في الأخذ به.
ولما كان الغالب على دعوة الحق في مبدئها قلة عدد أتباعها وضعفهم، كان للسابقين منهم منزلة لا تدانيها منزلة من اتَّبَع الدعوة حال قوتها، وهذه هي فضيلة السبق والمبادرة التي أشار الله تعالى إليها في قوله سبحانه {وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [الحديد:10]
وَمَا لَكُم يَا أَيُّها النَّاسُ لاَ تُنْفِقُونَ مِنْ أَمْوالِكم فِي سَبيلِ اللهِ؟ أَتَخْشَوْنَ الفَقْرَ إِنْ أَنْفَقْتُمْ؟ أَنْفِقُوا وَلاَ تَخْشَوْا شَيْئًا، فَإِنَّ الذِي أَنْفَقْتُمْ أَمْوالَكُمْ فِي سَبِيلهِ هُوَ مَالكُ السَّمَاواتِ وَالأَرْضِ، وَقَدْ تَكَفَّلَ بِرِزْقِكُمْ، وَبِالإِخْلاَفِ عَلَيكُم {وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ} .ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالى تَفَاوَتَ دَرَجَاتِ المُنْفِقِينَ، بِحَسَبِ تَفَاوُتِ أَحْوَالِهم، فَقالَ: إِنَّهُ لاَ يَسْتَوي مَنْ آمَنَ، وَهَاجَرَ، وَأَنْفَقَ مَالَهُ في سَبِيلِ اللهِ، قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ (أَوْ قَبْلَ صُلْحِ الحَدَيْبِيَةِ عَلَى قَوْلٍ) ،مَعَ مَنْ آمنَ، وَأَنْفَقَ بَعْدَ الفَتْحِ، فَالأَوَّلُونَ أَعْظَمُ دَرجةً عِنْدَ الله، لأنَّ المُؤْمِنينَ قَبْلَ الفَتْحِ كَانُوا قَليلي العَدَدِ، وَواجِبَاتُهُمْ كَثِيرةٌ وَثَقِيلةٌ، أَمَّا بَعْدَ الفَتْحِ فَقَدِ انْتَشَرَ الإِسْلامُ، وَأَمِنَ النَّاسُ. وَاللهُ عَلِيمٌ خَبِيرٌ بِمَا يَعْمَلُهُ العِبَادُ. [2]
ذلك لأن البدء في أي أمرٍ شاقٌ لا يقوى عليه إلا الأفذاذ أصحاب الهمم العالية، وما أندرهم، فإذا قام الأمر دخل فيه آخرون ممن لا يقوون على تحمل مشقة البدء فكانوا أدنى منزلة ممن سبقهم، {وَكُلا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} .
إن البدء في أمر الدعوات الحقة لا تكتنفه المشقة فقط بل يكتنفه ما هو أشد من ذلك وهو الخوف من بطش شياطين الإنس أعداء الحق، كما قال تعالى: {فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ} [يونس:83]
وَأَظْهَرَ اللهُ الحَقَّ عَلَى البِاطِلِ، فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَالْتَقَفَتْ جَمِيعَ مَا أَلْقَاهُ السَّحَرَةُ، وَمَوَّهُوا بِهِ عَلَى النَّاسِ. وَكَانَ ذَلِكَ نَصْرًا عَظِيمًا لِمُوسَى مِنْ رَّبِهِ، وَلَكِنَّ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ اسْتَمَرُّوا فِي كُفْرِهِمْ وَعِنَادِهِمْ. وَلَمَّا أُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ للهِ اسْتِغْفَارًا وَتَوْبَةً، وَرَجَاءً أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ذُنُوبَهُمْ، قَالَ لَهُمْ فِرْعَوْنُ: إِنَّهُ سَيُعَاقِبُهُمْ عَلَى ذَلِكَ بِتَقْطِيعِ أَيْدِيْهِمْ وَأَرْجُلِهِمْ مِنْ خِلاَفٍ، وَسَيَصْلِبَهُمْ عَلَى جُذُوعِ النَّخْلِ، لأَنَّهُمْ آمَنُوا لِمُوسَى قَبْلَ
(1) - مسند الشاميين للطبراني (1/ 138) (220) حسن
(2) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:4964،بترقيم الشاملة آليا)