إن هذا التنازل وهذه الحَيْدة عن الحق عادةً ما تغلف بما يواري السوأة كالقول بأن هذا من الحكمة والسياسة ومصلحة الدعوة، وكل هذا من تزيين الشيطان لأوليائه {وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (119) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (120) } [النساء:119،120]
وقال تعالى: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ} [الزخرف:36،37] ،فينبغي أن يعلم المسلم أن اتِّباع الحق والصبر عليه هو أقصر الطرق إلى النصر، وإن طال الطريق وكثرت عَقَبَاتُه وقلَّ سالكوه، وإن الحَيْدَة عن الحق لا تأتي إلا بالخذلان وإن سَهُل طريقها وخيل لسالكه قرب الظفر، فإنما هي أوهام، قال تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام:153] .
ومما يدخل في الصبر، الصبرُ على إعراض الناس عن دعوة الحق، قال تعالى: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} [يوسف:103] ،وقال تعالى: {لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ} [الزخرف:78] ،فإن قلة الأتباع مما يُلبِّس به الشيطان على العبد، بأنه لو كان هذا هو الحق لاتبعه كل الناس، فيصرف العبد عن الحق بهذا التلبيس، وقد قال الله تعالى عن نوح عليه السلام: {وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ} [هود:40] ،وقال تعالى ـ في وصف فرعون لموسى وأتباعه {إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ} [الشعراء:54] .
وعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَوْمًا:"عُرِضَتْ عَلَيَّ الْأَنْبِيَاءُ فَكَانَ النَّبِيُّ يَجِيءُ لَيْسَ مَعَهُ إِلَّا رَجُلٌ، وَيَجِيءُ النَّبِيُّ لَيْسَ مَعَهُ إِلَّا رَجُلَانِ، وَيَجِيءُ النَّبِيُّ وَلَيْسَ مَعَهُ إِلَّا النَّفَرُ الْيَسِيرُ، ثُمَّ نَظَرْتُ فَرَأَيْتُ سَوَادًا كَثِيرًا، قَالَ: فَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ أُمَّتِي، فَلَمَّا دَنَوْا إِذَا هُمْ قَوْمُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالَ: ثُمَّ نَظَرْتُ فَإِذَا سَوَّادٌ كَثِيرٌ كَادُوا يَمْلَئُونَ أُفُقَ السَّمَاءِ، فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ؟،فَقِيلَ: هَؤُلَاءِ أُمَّتُكَ، فَفَرِحْتُ بِذَلِكَ وَاسْتَبْشَرْتُ ثُمَّ قِيلَ: انْظُرْ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا سَوَّادٌ كَثِيرٌ أَيْضًا، فَقِيلَ: هَؤُلَاءِ أُمَّتُكَ فَفَرِحْتُ وَاسْتَبْشَرْتُ، فَقِيلَ لِيَ: انْظُرْ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا سَوَّادٌ كَثِيرٌ أَيْضًا، فَقِيلَ: هَؤُلَاءِ أُمَّتُكَ فَفَرِحْتُ بِذَلِكَ وَاسْتَبْشَرْتُ فَقِيلَ لِي: مَعَ هَؤُلَاءِ سَبْعِينَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ" [1]
وقال تعالى ـ عن حجة الكافرين ـ {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (34) وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (35) } [سبأ:] ،فلا تستوحش طريق
(1) - الإيمان لابن منده (2/ 897) (979) صحيح