ومما ينبغي التنبيه عليه فيما يتعلق بتقوى الله تعالى، أن التقوى لا تتعلق بمكان دون آخر أو بحال دون آخر، فمن الناس من يتقي في بلده فإذا تَغَرَّب عنها ارتكب الموبقات، فهذا لا يتقي الله وإنما يتقي الناس الذين يعرفونه، فعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «اتَّقِ اللَّهِ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ» [1] ،وقال الله تعالى: {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [يونس:61] .
قال ابن رجب الحنبلي: [وَفِي الْجُمْلَةِ فَتَقْوَى اللَّهِ فِي السِّرِّ هُوَ عَلَامَةُ كَمَالِ الْإِيمَانِ، وَلَهُ تَأْثِيرٌ عَظِيمٌ فِي إِلْقَاءِ اللَّهِ لِصَاحِبِهِ الثَّنَاءَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ.] [2]
وَفِي الْحَدِيثِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «أَسِرُّوا مَا شِئْتُمْ، مَنْ أَسَرَّ سَرِيرَةَ خَيْرٍ أَلْبَسَهُ اللَّهُ رِدَاءَهَا، وَمَنْ أَسَرَّ سَرِيرَةَ شَرٍّ أَلْبَسَهُ اللَّهُ رِدَاءَهَا» [3] ..
وتشكل المعسكرات ـ بما توفره من بيئة جديدة غير التي اعتادها الفرد، وبما توفره من صحبة صالحة ـ تشكل فرصة طيبة لمجاهدة النفس في التخلص من العادات السيئة، فإن تغيير المكان عامل هام في المجاهدة، انظر مثلا حديث قاتل المائة كيف نصحه العالم بأن يترك بلده ويذهب إلى بلد آخر به قوم صالحون، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم:"أَنَّ رَجُلًا قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا، فَجَعَلَ يَسْأَلُ هَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَأَتَى رَاهِبًا، فَسَأَلَهُ فَقَالَ: لَيْسَتْ لَكَ تَوْبَةٌ، فَقَتَلَ الرَّاهِبَ، ثُمَّ جَعَلَ يَسْأَلُ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَى قَرْيَةٍ فِيهَا قَوْمٌ صَالِحُونَ، فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ فَنَأَى بِصَدْرِهِ، ثُمَّ مَاتَ، فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ، وَمَلَائِكَةُ الْعَذَابِ، فَكَانَ إِلَى الْقَرْيَةِ الصَّالِحَةِ أَقْرَبَ مِنْهَا بِشِبْرٍ، فَجُعِلَ مِنْ أَهْلِهَا" [4]
فهذه المعسكرات تشكل فرصة ليبدأ الإنسان حياة جديدة خالية مما يُكَدِّر عليه صفو صلته بالله تعالى. قال ابن القيم رحمه الله: [الْوُصُول إِلَى الْمَطْلُوب مَوْقُوف على هجر العوائد وَقطع الْعَوَائِق، فالعوائد السّكُون إِلَى الدعة والراحة وَمَا أَلفه النَّاس واعتادوه من الرسوم والأوضاع الَّتِي جعلوها بِمَنْزِلَة الشَّرْع المتّبع بل هِيَ عِنْدهم أعظم من الشَّرْع، فَإِنَّهُم يُنكرُونَ على من خرج عَنْهَا وخالفها مَا لَا يُنكرُونَ على من خَالف
(1) - سنن الترمذي ت شاكر (4/ 355) (1987) صحيح لغيره
(2) - جامع العلوم والحكم ت الأرنؤوط (1/ 410)
(3) - حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (5/ 36) والآثار لأبي يوسف (ص:196) (886) والمعجم الكبير للطبراني (2/ 171) (1702) والإيماء إلى زوائد الأمالي والأجزاء (2/ 283) (1458) والإيماء إلى زوائد الأمالي والأجزاء (4/ 551) (4144) مرفوعا ضعيف والصواب وقفه
(4) - صحيح مسلم (4/ 2119) 47 - (2766)