فهرس الكتاب

الصفحة 319 من 501

لِتَضَمُّنِهِ مَعْنَى الِانْتِهَاءِ. (فَقَالَ) :أَيْ رَبُّهُمْ ( «هَلْ تَشْتَهُونَ شَيْئًا؟ قَالُوا: أَيَّ شَيْءٍ نَشْتَهِي وَنَحْنُ نَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شِئْنَا» :يَعْنِي: {وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ} [الزخرف:71] (فَفَعَلَ) :أَيْ رَبُّهُمْ (ذَلِكَ) :أَيْ مَا ذَكَرَ مِنَ الِاطِّلَاعِ وَالْقَوْلِ لَهُمْ (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) :قَالَ الْقَاضِي: اطِّلَاعُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَاسْتِفْهَامُهُ عَمَّا يَشْتَهُونَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى مَجَازٌ عَنْ مَزِيدِ تَلَطُّفِهِ بِهِمْ وَتَضَاعُفِ تَفْضِيلِهِ عَلَيْهِمْ. قُلْتُ: وَلَا مَانِعَ لِلْحَمْلِ عَلَى الْحَقِيقَةِ، بَلْ هِيَ أَحَقُّ عِنْدَ عَدَمِ الصَّارِفِ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي مَحَلِّهِ، (فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّهُمْ لَنْ يُتْرَكُوا) :بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ ; أَيْ لَنْ يَخْلُوَا (مِنْ أَنْ يَسْأَلُوا) :بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ، وَمِنْ زَائِدَةٌ لِوُقُوعِهَا فِي سِيَاقِ النَّفْيِ، وَأَنْ يَسْأَلُوا بَدَلٌ مِنْ نَائِبِ فَاعِلِ يُتْرَكُوا ; أَيْ: لَنْ يُتْرَكَ سُؤَالُهُمْ (قَالُوا «يَا رَبُّ! نُرِيدُ أَنْ تُرَدَّ أَرْوَاحُنَا فِي أَجْسَادِنَا» ) :أَيِ الْأَوَّلِيَّةِ (حَتَّى نُقْتَلَ) :بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ; أَيْ نُسْتَشْهَدَ (فِي سَبِيلِكِ مَرَّةً أُخْرَى؟) :قَالَ الْقَاضِي: الْمُرَادُ بِهِ أَنَّهُ لَا يَبْقَى لَهُمْ مُتَمَنًّى وَلَا مَطْلَبٌ أَصْلًا غَيْرَ أَنْ يُرْجَعُوا إِلَى الدُّنْيَا فَيُسْتَشْهَدُوا ثَانِيًا لِمَا رَأَوْا بِسَبَبِهِ مِنَ الشَّرَفِ وَالْكَرَامَةِ (فَلَمَّا رَأَى) :أَيْ عَلِمَ اللَّهُ عِلْمًا تَنْجِيزِيًّا مُطَابِقًا لِمَا عَلِمَ عِلْمًا غَيْبِيًّا تَعْلِيقِيًّا (أَنْ لَيْسَ لَهُمْ حَاجَةٌ) :أَيْ حَاجَةٌ مُعْتَبَرَةٌ ; لِأَنَّهُمْ سَأَلُوا مَا هُوَ خِلَافُ إِرَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى (تُرِكُوا) :أَيْ مِنْ سُؤَالِ هَلْ تَشْتَهُونَ؟ قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: رُؤْيَةُ اللَّهِ كَانَتْ أَعْظَمَ النِّعَمِ، فَلِمَ لَمْ يَطْلُبُونَهَا؟ قُلْتُ: يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ رُؤْيَةُ اللَّهِ تَعَالَى مَوْقُوفَةً فِي ذَلِكَ عَلَى كَمَالِ اسْتِعْدَادٍ يَلِيقُ بِهَا، فَصَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ عَنْ ذَلِكَ إِلَى وَقْتِ حُصُولِ الِاسْتِعْدَادِ. فَإِنْ قُلْتَ: إِعَادَةُ الرُّوحِ إِلَى الْجَسَدِ إِنْ كَانَ لِطَلَبِ مَا هُمْ فِيهِ فَلَا فَائِدَةَ، وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِهِ فَهَلَّا اشْتَهْواهُ أَوْ لَا؟ قُلْتُ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُمْ بِذَلِكَ الْكَلَامِ الْقِيَامَ بِمُوجِبِ الشُّكْرِ فِي مُقَابَلَةِ النِّعَمِ الَّتِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ. قَالَ الْقَاضِي: الْحَدِيثُ تَمْثِيلٌ لِحَالِهِمْ، وَمَا عَلَيْهِمْ مِنَ الْبَهْجَةِ وَالسَّعَادَةِ شَبَّهَ لَطَافَتَهُمْ وَدِمَاءَهُمْ، وَتَمَكُّنَهُمْ مِنَ التَّلَذُّذِ بِأَنْوَاعِ الْمُشْتَهِيَاتِ وَالتَّبَوُّءِ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءُوا، وَقُرْبِهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَانْخِرَاطِهِمْ فِي غَارِ الْمَلَأِ الْأَعْلَى الَّذِينَ هُمْ حَوْلَ عَرْشِ الرَّحْمَنِ بِمَا إِذَا كَانُوا فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَسْرَحُ إِلَى الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ، وَتَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مُعَلَّقَةٍ بِالْعَرْشِ، وَشَبَّهَ حَالَهُمْ فِي اسْتِجْمَاعِ اللَّذَائِذِ وَحُصُولِ جَمِيعِ الْمَطَالِبِ بِحَالِ مَنْ يُبَالِغُ وَيَسْرُدُ عَلَيْهِ رَبُّهُ الْمُتَفَضِّلُ الْمُشْفِقُ عَلَيْهِ غَايَةَ التَّفَضُّلِ وَالْإِشْفَاقِ الْقَادِرُ عَلَى جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ بِأَنْ يُسْأَلَ مِنْهُ مَطْلُوبًا، وَيُكَرِّرَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى بِحَيْثُ لَا يَرَى بُدًّا مِنَ السُّؤَالِ، فَلَمْ يَرَ شَيْئًا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْأَلَهُ إِلَّا أَنْ يُرَدَّ إِلَى الدُّنْيَا، فَيُقْتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.

وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: اخْتَلَفُوا فِيهِ قِيلَ: لَيْسَ لِلْأَقْيِسَةِ وَالْعُقُولِ فِي هَذَا حُكْمٌ، فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ الرُّوحَ إِذَا خَرَجَتْ مِنَ الْمُؤْمِنِ، أَوِ الشَّهِيدِ فِي قَنَادِيلَ، أَوْ أَجْوَافِ طَيْرٍ، أَوْ حَيْثُ شَاءَ كَانَ ذَلِكَ، وَوَقَعَ وَلَمْ يَبْعُدْ لَا سِيَّمَا مَعَ الْقَوْلِ بِأَنَّ الْأَرْوَاحَ أَجْسَامٌ، فَغَيْرُ مُسْتَحِيلٍ أَنْ يُصَوَّرَ جُزْءٌ مِنَ الْإِنْسَانِ طَائِرًا، أَوْ يُجْعَلَ فِي جَوْفِ طَائِرٍ فِي قَنَادِيلَ تَحْتَ الْعَرْشِ، وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي الرُّوحِ فَقَالَ كَثِيرٌ مِنْ أَرْبَابِ الْمَعَانِي، وَعِلْمِ الْبَاطِنِ، وَالْمُتَكَلِّمِينَ: لَا يُعْرَفُ حَقِيقَتُهُ وَلَا يَصِحُّ وَصْفُهُ، وَهُوَ مِمَّا جَهِلَ الْعِبَادُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت