فهرس الكتاب

الصفحة 256 من 501

وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الِاشْتِغَالِ بِتَعَلُّمِ آلَاتِ الْجِهَادِ وَالتَّمَرُّنِ فِيهَا وَالْعِنَايَةِ فِي إعْدَادِهَا لِيَتَمَرَّنَ بِذَلِكَ عَلَى الْجِهَادِ وَيَتَدَرَّبَ فِيهِ، وَيُرَوِّضَ أَعْضَاءَهُ قَوْلُهُ: (فَلَيْسَ مِنَّا) قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى تَأْوِيلِ مِثْلِ هَذِهِ الْعِبَارَةِ فِي مَوَاضِعَ. وَفِي ذَلِكَ إشْعَارٌ بِأَنَّ مَنْ أَدْرَكَ نَوْعًا مِنْ أَنْوَاعِ الْقِتَالِ الَّتِي يُنْتَفَعُ بِهَا فِي الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ تَسَاهَلَ فِي ذَلِكَ حَتَّى تَرَكَهُ كَانَ آثِمًا إثْمًا شَدِيدًا؛ لِأَنَّ تَرْكَ الْعِنَايَةِ بِذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى تَرْكِ الْعِنَايَةِ بِأَمْرِ الْجِهَادِ، وَتَرْكَ الْعِنَايَةِ بِالْجِهَادِ يَدُلُّ عَلَى تَرْكِ الْعِنَايَةِ بِالدِّينِ لِكَوْنِهِ سَنَامَهُ وَبِهِ قَامَ. [1]

ثالثًا: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرمي بالنبل بين أصحابه:

عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سَلَمَةَ بْنَ الأَكْوَعِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى نَفَرٍ مِنْ أَسْلَمَ يَنْتَضِلُونَ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم: «ارْمُوا بَنِي إِسْمَاعِيلَ، فَإِنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيًا ارْمُوا، وَأَنَا مَعَ بَنِي فُلاَنٍ» قَالَ: فَأَمْسَكَ أَحَدُ الفَرِيقَيْنِ بِأَيْدِيهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «مَا لَكُمْ لاَ تَرْمُونَ؟» ،قَالُوا: كَيْفَ نَرْمِي وَأَنْتَ مَعَهُمْ؟ قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم: «ارْمُوا فَأَنَا مَعَكُمْ كُلِّكُمْ» [2] .

وَفِي الْحَدِيثِ النَّدْبُ إلَى اتِّبَاعِ خِصَالِ الْآبَاءِ الْمَحْمُودَةِ وَالْعَمَلِ بِمِثْلِهَا، وَفِيهِ أَيْضًا حُسْنُ أَدَبِ الصَّحَابَةِ مَعَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَحُسْنُ خُلُقِهِ وَالتَّنْوِيهُ بِفَضِيلَةِ الرَّمْيِ. [3]

قَالَ الْمُهَلَّبُ يُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ مَنْ صَارَ السُّلْطَانُ عَلَيْهِ فِي جُمْلَةِ الْمُنَاضِلِينَ لَهُ أَنْ لَا يَتَعَرَّضَ لِذَلِكَ كَمَا فَعَلَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ حَيْثُ أَمْسَكُوا لِكَوْنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - مَعَ الْفَرِيقِ الْآخَرِ خَشْيَةَ أَنْ يَغْلِبُوهُمْ فَيَكُونَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - مَعَ مَنْ وَقَعَ عَلَيْهِ الْغَلَبُ فَأَمْسَكُوا عَنْ ذَلِكَ تَأَدُّبًا مَعَهُ انْتَهَى وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي أَمْسَكُوا لَهُ لَمْ يَنْحَصِرْ فِي هَذَا بَلِ الظَّاهِرُ أَنَّهُمْ أَمْسَكُوا لَمَّا اسْتَشْعَرُوا مِنْ قُوَّةِ قُلُوبِ أَصْحَابِهِمْ بِالْغَلَبَةِ حَيْثُ صَارَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - مَعَهُمْ وَذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ الْوُجُوهِ الْمُشْعِرَةِ بِالنَّصْرِ [4]

رابعًا: الرمي من اللهو الممدوح المندوب إليه، وليس من المذموم:

عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «سَتُفْتَحُ عَلَيْكُمْ أَرَضُونَ، وَيَكْفِيكُمُ اللهُ، فَلَا يَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَلْهُوَ بِأَسْهُمِهِ» [5] .

(1) -نيل الأوطار (8/ 96)

(2) - صحيح البخاري (4/ 38) (2899)

(ينتضلون) يتسابقون في الرمي. (فلان) ابن الأدرع وقيل اسمه سلمة ابن ذكوان]

(3) - نيل الأوطار (8/ 95)

(4) - فتح الباري لابن حجر (6/ 92)

(5) - صحيح مسلم (3/ 1522) 168 - (1918)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت