فَنَظَرْتُ فَلَمْ أَرَ أَحَدًا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «أَنَزَلْتَ اللَّيْلَةَ؟» قَالَ: لَا إِلَّا مُصَلِّيًا أَوْ قَاضِي حَاجَةٍ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «قَدْ أَوْجَبْتَ، فَلَا عَلَيْكَ أَنْ لَا تَعْمَلَ بَعْدَ هَذَا» [1]
أَيْ: بَعْدَ هَذِهِ الْخَصْلَةِ الَّتِي فَعَلْتَهَا، فَإِنَّهُ قَدْ حَصَلَ لَكَ فَضِيلَةٌ كَافِيَةٌ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ. وَفِيهِ بِشَارَةٌ مِنْهُ - صلى الله عليه وسلم - بِأَنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ انْتَهَى. وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنَ النَّظَرِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ، أَيْ: لَا بَأْسَ عَلَيْكَ بِأَنْ لَا تَعْمَلَ بَعْدَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ مِنَ الْمِيرَاثِ وَالْخَيْرَاتِ، فَإِنَّ عَمَلَكَ اللَّيْلَةَ كَافِيَةٌ لَكَ عِنْدَ اللَّهِ مَثُوبَةً وَفَضِيلَةً، وَأَرَادَ النَّوَافِلَ وَالتَّبَرُّعَاتِ مِنَ الْأَعْمَالِ لَا الْفَرَائِضَ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَسْقُطُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَنْزِلَ عَلَى مَا عَلَيْهِ مِنْ عَمَلِ الْجِهَادِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ جُبْرَانًا لِقَلْبِهِ وَتَسْلِيَةً لَهُ. [2] .
ثالثًا: حراسة ليلة في موضع يخاف فيه على نفسه أفضل من ليلة القدر:
روى البيهقي عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:"أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِلَيْلَةٍ أَفْضَلَ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ؟ حَارِسٌ حَرَسَ فِي أَرْضِ خَوْفٍ لَعَلَّهُ أَنْ لَا يَرْجِعَ إِلَى أَهْلِهِ". [3] .
رابعًا: حراسة ليلة أفضل من ألف ليلة يقام ليلها ويصام نهارها:
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ، أَصَابَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ امْرَأَةَ رَجُلٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَافِلًا أَتَى زَوْجُهَا وَكَانَ غَائِبًا، فَلَمَّا أُخْبِرَ حَلَفَ لَا يَنْتَهِي حَتَّى يُهْرِيقَ فِي أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - دَمًا، فَخَرَجَ يَتْبَعُ أَثَرَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -،فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مَنْزِلًا، فَقَالَ: «مَنْ رَجُلٌ يَكْلَؤُنَا لَيْلَتَنَا هَذِهِ؟» فَانْتُدِبَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَرَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، قَالَا: نَحْنُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ - صلى الله عليه وسلم: «فَكُونَا بِ فَمِ الشِّعْبِ» ،قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَأَصْحَابُهُ نَزَلُوا إِلَى شِعْبٍ مِنَ الْوَادِي، فَلَمَّا خَرَجَ الرَّجُلَانِ إِلَى فَمِ الشِّعْبِ، قَالَ الْأَنْصَارِيُّ لِلْمُهَاجِرِيِّ: أَيُّ اللَّيْلِ أَحَبُّ إِلَيْكَ أَنْ أَكْفِيَكَ، أَوَّلَهُ أَوْ آخِرَهُ؟،قَالَ: اكْفِنِي أَوَّلَهُ، قَالَ: فَاضْطَجَعَ الْمُهَاجِرِيُّ فَنَامَ، وَقَامَ الْأَنْصَارِيُّ يُصَلِّي، وَأَتَى زَوْجُ الْمَرْأَةِ، فَلَمَّا رَأَى شَخَصَ الرَّجُلِ، عَرَفَ أَنَّهُ رَبِيئَةَ الْقَوْمِ، فَرَمَاهُ بِسَهْمٍ، فَوَضَعَهُ فِيهِ، فَنَزَعَهُ، فَوَضَعَهُ، وَثَبَتَ قَائِمًا يُصَلِّي، ثُمَّ رَمَاهُ بِسَهْمٍ آخَرَ، فَوَضَعَهُ فِيهِ، فَنَزَعَهُ، وَثَبَتَ قَائِمًا يُصَلِّي، ثُمَّ عَادَ لَهُ الثَّالِثَةَ، فَوَضَعَهُ فِيهِ، فَنَزَعَهُ، فَوَضَعَهُ، ثُمَّ رَكَعَ فَسَجَدَ، ثُمَّ أَهَبَّ صَاحِبَهُ وَقَالَ: اجْلِسْ، فَقَدْ أُتِيتُ، فَوَثَبَ، فَلَمَّا رَآهُمَا الرَّجُلُ
(1) - الجهاد لابن أبي عاصم (2/ 420) (149) صحيح
بكرة أبيهم: يقال: جاء القوم على بكرة أبيهم: إذا جاؤوا بأسرهم ولم يتخلف منهم أحد.-فثُوِّب: ثَوَّب بالصلاة: نادى إليها، وأقامها.-قد أوجبتَ: يقال: أوجبَ فلان: إذا فعل فعلا وجبت له به الجنة أو النار، والمراد به هاهنا: الجنة.-ونَعَمهم: والنَّعَم في الأصل: الإبل، وقد تقع على البقر، والغنم.
(2) - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (9/ 3826)
(3) - السنن الكبرى للبيهقي (9/ 251) (18444) صحيح