إن المصدِّقَ لهذا يكون كالمصدِّقِ لمن يقول له: إنه لوأتينا بستةٍ من القرود وأجلسناها إلى ست آلاتٍ طابعة لملايين السنين، فإنه لا يستبعد أن يخرج لنا أحدُها بقصيدةٍ رائعة من روائعَ المتنبي مثلا. هل تصدق هذا القائل؟ إنه- بلا شك - أعقلُ من القرود الستة، ولكنْ للأسف ليس حظُّ القرود في إخراج قصيدة المتنبي بأوفرَ من حظِّهِ هوفي أن يكون مثل المتنبي. أليس كذلك؟
*-شواهد من الطبيعة:
1 -إن من طبيعة الإنسان أنه عندما يقع في مأزق- ولا يجد في القوى المادية معينًا ومنقذًا له- فإنه يلجأ إلى الله تعالى متضرعًا إليه بالدعاء حتى ينقذه مما هوفيه. قال تعالى: {وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا 67} الإسراء
2 -إن النفوس مجبولةٌ على حبِّ من يحسن إليها، لذلك تعظمه وتتقرب إليه، وهذه الفطرة ثابتة حتى في الحيوان. أما ترى أن الكلبَ يكون وفيًا لصاحبه، حتى إنه يدافع عنه بنفسه ويموت دونه! لذلك فإنَّ الإنسان مفطورٌ على معرفة ربه الذي خلقه، وعلى عبادته لذا قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ 6} الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ {7} فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ {8} [سورة الانفطار] .
*-دليل الفطرة
إن فطرةَ الإنسان تشهد بوجود الله تعالى- مهما حاول الإنسان إخفاءها- فكم من إنسان ينكر وجود الله تعالى، فإذا ضاقتْ به السبلُ المادية في الأزمات لم يجدْ إلا أن يتوجهَ بقلبهِ إلى السماء، وربما يرفع يديه في خضوع وتذللٍ لعله يجد من القوَّة العليا مخرجًا مما هوفيه من ضيق. ألم تجرب ذلك بنفسك؟ ربما حدث لك شيء منه فنسيت بعد زوال الكربة. ولكن لاشك أنك لازلت تذكر حكاية من هذا النوع حدثت لغيرك. قال تعالى: {هُوالَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنِّ مِنَ الشَّاكِرِينَ} (22) سورة يونس.
وقال تعالى: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} (65) سورة العنكبوت.
وقال تعالى: {أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (61) أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (62) أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (63) } [النمل:61 - 63]
نظرة الإسلام للفطرة: