إن الجهاد في سبيل الله بيعة معقودة بعنق كل مؤمن .. كل مؤمن على الإطلاق منذ كانت الرسل ومنذ كان دين الله .. إنها السنة الجارية التي لا تستقيم هذه الحياة بدونها ولا تصلح الحياة بتركها: «وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ» .. «وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا» ..
إن الحق لا بد أن ينطلق في طريقه. ولا بد أن يقف له الباطل في الطريق! .. بل لا بد أن يأخذ عليه الطريق .. إن دين الله لا بد أن ينطلق لتحرير البشر من العبودية للعباد وردهم إلى العبودية لله وحده. ولا بد أن يقف له الطاغوت في الطريق .. بل لا بد أن يقطع عليه الطريق .. ولا بد لدين الله أن ينطلق في «الأرض» كلها لتحرير «الإنسان» كله. ولا بد للحق أن يمضي في طريقه ولا ينثني عنه ليدع للباطل طريقا! .. وما دام في «الأرض» كفر. وما دام في «الأرض» باطل. وما دامت في «الأرض» عبودية لغير الله تذل كرامة «الإنسان» فالجهاد في سبيل الله ماض، والبيعة في عنق كل مؤمن تطالبه بالوفاء. وإلا فليس بالإيمان،.
فيومذاك لم يكن قد فرض قتال. وهذه آية مدنية قطعا. ولكنها تنفق مع مضمون تلك البيعة العام.
«فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ، وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ» .
استبشروا بإخلاص أنفسكم وأموالكم لله، وأخذ الجنة عوضا وثمنا، كما وعد الله .. وما الذي فات؟
ما الذي فات المؤمن الذي يسلم لله نفسه وماله ويستعيض الجنة؟ والله ما فاته شيء. فالنفس إلى موت، والمال إلى فوت. سواء أنفقهما صاحبهما في سبيل الله أم في سبيل سواه! والجنة كسب. كسب بلا مقابل في حقيقة الأمر ولا بضاعة! فالمقابل زائل في هذا الطريق أو ذاك! ودع عنك رفعة الإنسان وهو يعيش لله. ينتصر - إذا انتصر - لإعلاء كلمته، وتقرير دينه، وتحرير عباده من العبودية المذلة لسواه. ويستشهد - إذا استشهد - في سبيله، ليؤدي لدينه شهادة بأنه خير عنده من الحياة.
ويستشعر في كل حركة وفي كل خطوة - أنه أقوى من قيود الأرض وأنه أرفع من ثقلة الأرض، والإيمان ينتصر فيه على الألم، والعقيدة تنتصر فيه على الحياة.
إن هذا وحده كسب. كسب بتحقيق إنسانية الإنسان التي لا تتأكد كما تتأكد بانطلاقه من أوهاق الضرورة وانتصار الإيمان فيه على الألم، وانتصار العقيدة فيه على الحياة .. فإذا أضيفت إلى ذلك كله .. الجنة .. فهو بيع يدعو إلى الاستبشار وهو فوز لا ريب فيه ولا جدال: «فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ، وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ» .
ثم نقف وقفة قصيرة أمام قوله تعالى في هذه الآية: «وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ» ..