إنهما من أفضل القرباتِ والأعمال الصالحِة، وأثرهما عظيمٌ في إنقاذ الناس بإذن ربهم من الظلماتِ إلى النور، قال تعالى: (( وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إلى اللَّهِ وَعملَ صَالِحًا وَقَالَ إنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ ) ) [فصلت:33]
وفي الجهاد أيضًا: حقيقةُ الزهد في الحياة الدنيا، وفيه أيضًا: حقيقةُ الإخلاص؛ فإنَّ الكلام فيمن جاهدَ في سبيلِ الله، لا في سبيلِ الرياسةِ، ولا في سبيل المالِ، ولا في سبيل الحميَّةِ .. وهذا لا يكون إلا لمن قاتلَ ليكون الدينُ كلُّه لله، ولتكونَ كلمةُ الله هي العليا، وأعظمُ مراتب الإخلاصِ: تسليمُ النفس والمالِ للمعبود، كما قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوالْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111) التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (112) } [التوبة/111 - 112] .
"وفي الحديث عن الجهادِ في سبيل الله عز وجل، ومحاربةِ الفساد وتعبيدِ الناس لربِّ العالمين أكبرُ ردٍّ على الذين يرونَ أن التعلقَ باليومِ الآخر والاستعدادَ له يعني اعتزالَ الناسِ، وتركَ الدنيا لأهلها، والاشتغالَ بالنفس وعيوبِها، وتركَ الحياةِ يأسن فيها أهلُها. قال تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} (32) سورة الأعراف"
إن الناس إذا كانوا في فترات من الزمان يعيشون سلبيين ويدعون الفساد والشر والظلم والطغيان والتخلف والجهالة تغمر حياتهم الدنيا - مع ادعائهم الإسلام - فإنما هم يصنعون ذلك كله أوبعضه لأن تصورهم للإسلام قد فسد وانحرف ولأن يقينهم في الآخرة قد تزعزع وضعف! لا لأنهم يدينون بحقيقة هذا الدين ويستيقنون من لقاء اللّه في الآخرة. فما يستيقن أحد من لقاء اللّه في الآخرة، وهويعي حقيقة هذا الدين، ثم يعيش في هذه الحياة سلبيا، أومتخلفا، أوراضيا بالشر والفساد والطغيان.
إنما يزاول المسلم هذه الحياة الدنيا، وهويشعر أنه أكبر منها وأعلى. ويستمتع بطيباتها أويزهد فيها وهويعلم أنها حلال في الدنيا خالصة له يوم القيامة. ويجاهد لترقية هذه الحياة وتسخير طاقاتها وقواها وهويعرف أن هذا واجب الخلافة عن اللّه فيها. ويكافح الشر والفساد والظلم محتملا الأذى والتضحية حتى الشهادة وهوإنما يقدم لنفسه في الآخرة .. إنه يعلم من دينه أن الدنيا مزرعة الآخرة وأن ليس هنالك طريق للآخرة لا يمر بالدنيا وأن الدنيا صغيرة زهيدة ولكنها من نعمة اللّه التي يجتاز منها إلى نعمة اللّه الكبرى ..