7.والإيمانُ بالقدَر يغرسُ في نفس المؤمن حقائقَ الإيمان المتعددة، فهودائم ُالاستعانةِ بالله، يعتمد على الله ويتوكلُ عليه مع فعل الأسبابِ، وهوأيضًا دائمُ الافتقارِ إلى ربه - تعالى - يستمدُّ منه العونَ على الثبات، ويطلبُ منه المزيد، وهوأيضًا كريمٌ يحبُّ الإحسانِ إلى الآخرين، فتجده يعطفُ عليهم.
8.ومن آثارِ الإيمان بالقدَر أنَّ الداعيَ إلى الله يصدعُ بدعوتهِ، ويجهرُ بها أمام الكافرين والظالمين، لا يخافُ في الله لومة لائمٍ، يبيّنُ للناس حقيقةَ الإيمان، ويوضحُ لهم مقتضياته، ويكشف الباطلَ وزيفهُ ودُعاتهِ وحماتهِ، فعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: «بَايَعْنَا رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ، وَالْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ، وَعَلَى أَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَعَلَى أَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ، وَعَلَى أَنْ نَقُولَ بِالْحَقِّ أَيْنَمَا كُنَّا، لَا نَخَافُ فِي اللهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ» . (أخرجه مسلم) [1]
ويقولُ كلمةَ الحقِّ أمامَ الظالمينَ، ويفضحُ ما هم فيهِ من كفرٍ وظلمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ، أَوْ أَمِيرٍ جَائِرٍ» (أخرجه أبوداود) [2] .
وإذا كان الأمرُ هكذا فكيف يبقى في نفسِ المؤمن الداعية ذرّةٌ من خوفٍ وهويؤمن بقضاءِ الله وقدَره؟! فما قُدِّرَ سيكونُ، وما لم يقدَّر لنْ يكونَ، وهذا كله مرجعه إلى الله وحده، والعبادُ لا يملكون من ذلك شيئًا. فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَوْمًا، فَقَالَ: «يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ، احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ» (أخرجه الترمذي) [3] .
8 -الإيمانُ بالقدَر طريقُ الخلاصِ من الشركِ، وهومفرقُ الطريقِ بين التوحيدِ والشركِ، فالمؤمنُ بالقدَر يُقرُّ بأن هذا الكون وما فيه صادرٌ عن إلهٍ واحدٍ، ومعبودٍ واحدٍ، ومن لم يؤمنْ هذا الإيمانَ، فإنه يجعلُ مَنْ دونَ الله آلهةً وأربابًا.
9 -وهويفضي إلى الاستقامةِ على منهجٍ سواءٍ في السّراءِ والضرّاءِ، لا تبطرُه النعمةُ، ولا تيئسهُ المصيبةُ، فهويعلمُ أن كلَّ ما أصابهُ من نعمٍ وحسناتٍ فمنَ اللهِ، لا بذكائهِ وحسنِ تدبيرهِ، {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ} (53) سورة النحل.
(1) - [صحيح البخاري 9/ 77] (7199) و [صحيح مسلم 3/ 1470] 41 - (1709)
المَنْشَط: الأمر الذي تَنشط له، وتخف إليه، وتُؤثر فعله.=المَكْرَه: الأمرُ الذي تكرهه، وتتثاقل عنه.=الأَثَرَةُ: الاستئثار بالشيء، والانفراد به، والمراد في الحديث: إن مُنِعْنَا حَقّنا من الغنائم، والفَيءِ، وأُعْطِي غيرنا، نَصْبِر على ذلك.=كُفرًا بَوَاحًا: الكُفْرُ البواح: الجهار.=البرهان: الحُجَّة والدليل.
(2) - [سنن أبي داود 4/ 124] (4344) ومسند أحمد برقم (11442) والمعجم الكبير للطبراني برقم (8007) وهوصحيح لغيره
(3) - [سنن الترمذي ت شاكر 4/ 667] (2516) صحيح