فهرس الكتاب

الصفحة 115 من 501

ولم يكلفِ اللهُ العبادَ إلا ما يطيقونَ، قال تعالى: {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ... } (286) سورة البقرة.

ولا حولَ ولا قوةَ إلا بالله: أي لا حيلةَ لأحد، ولا تحوُّلَ لأحدٍ عن معصية ِالله إلا بمعونةِ الله سبحانه، ولا قوة َلأحدٍ على إقامةِ طاعةِ الله والثباتِ عليها إلا بتوفيقِ اللهِ.

3.وكما أنَّ المسبَّباتِ من قدَرِ الله الذي فُرغ منه، فكذلك أسبابُها أيضًا من قدَر الله الذي فُرغ منه، فعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كُنَّا فِي جَنَازَةٍ فِي بَقِيعِ الغَرْقَدِ، فَأَتَانَا النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَعَدَ وَقَعَدْنَا حَوْلَهُ، وَمَعَهُ مِخْصَرَةٌ، فَنَكَّسَ فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِمِخْصَرَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ، مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إِلَّا كُتِبَ مَكَانُهَا مِنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَإِلَّا قَدْ كُتِبَ شَقِيَّةً أَوْ سَعِيدَةً» فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلاَ نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ العَمَلَ؟ فَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ، قَالَ: «أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ الشَّقَاوَةِ» ثُمَّ قَرَأَ: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالحُسْنَى} [الليل:6] الآيَةَ (أخرجه الشيخان) [1] .

4.والإيمانُ بالقدَر على درجتينِ؛ وكلُّ درجةٍ تتضمنُ شيئين:

فالدرجةُ الأولى: الإيمانُ بأن اللهَ علِمَ ما الخلقُ عاملونَ، فسبقَ علمُه في كلِّ كائن ٍفي خلقِه، فقدَّرَ ذلك تقديرًا محكمًا قال تعالى: {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُومِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} (61) سورة يونس، وقال تعالى: {الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} (2) سورة الفرقان ر، وقال: {مَّا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا} (38) سورة الأحزاب.

الدرجة الثانية: الإيمانُ بمشيئةِ الله النافذةِ، وقدرتهِ الشاملةِ، وأنَّ ما شاء اللهُ كانَ، وما لم يشأْ لم يكنْ، وأنهُ ما في السماواتِ والأرضِ منْ حركةٍ ولا سكونٍ إلا بمشيئةِ الله سبحانه وتعالى، ولا يكون في ملكِه إلا ما

(1) - [صحيح البخاري 2/ 96] (1362) و [صحيح مسلم 4/ 2039] 6 - (2647)

[ (بقيع الغرقد) مقبرة أهل المدينة والبقيع موضع من الأرض فيه أصول شجر والغرقد شجر له شوك كان ينبت في ذلك المكان بكثرة فأضيف إليه. (مخصرة) ما يتوكأ عليه من عصا وغيرها. (فنكس) خفض رأسه وطأطأ إلى الأرض. (ينكت) يضرب في الأرض. (منفوسة) مخلوقة. (كتب) قدر وعين. (نتكل على كتابنا) نعتمد على ما قدر علينا. (أعطى واتقى) أعطى الطاعة واتقى المعصية أي جاهد نفسه فبذل الطاعة واجتنب المعصية. (الآية) أي وما بعدها / الليل 5 - 10 /.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت