التي يكون منشأ المرض فيها خلل في الصبغيات أو المورثات [1] فإن نسبة احتمال تكرار الإصابة في الأحمال التالية يتوقف على نوعية المرض الوراثي؛ فمنها ما يكون المرض ناجمًا عن ما يُعرف بالمورثة السائدة (وهي التي تكفي وجود مورثة واحدة مختلة لحصول المرض بها) ومنها ما يُعرف بالمورثة المتنحية (وهي ما يلزم وجود مورثتين مختلتين لحصول المرض بها) ومنها ما يُعرف بالمورثة المرتبطة بالجنس (وهي ما يلزم وجود مورثة مختلة على الصبغي الجنسي ولا تُحدث المرض عادةً إلا عند الذكور منتقلًا عن طريق الأم) ، وبدون دخول في تعقيدات طبية أقول إن نوع الوراثة المتنحية هو الذي يحتاج أن يكون كلٌ من الأب والأم حاملين لهذه المورثة المختلة بحيث ينشأ عن اجتماعهما في المولود حدوث المرض عنده بنسبة احتمال 25% في الحمل الواحد (وذلك لكل حمل) ، وهذه المورثة المتنحية التي توجد عند الأبوين لا تحدث المرض فيهما لأن كل واحدٍ منهما يحمل مورثةً واحدةً فقط لا تكفي لإحداث المرض فيهما.
والمشاهد حسيًا عن طريق الدراسات الإحصائية الوراثية أن نسبة وجود هذه المورثات المتنحية في أفراد المجموعة السكانية الواحدة تزداد كلما ضاقت دائرة التزاوج، ولهذا تزداد نسبة حدوث هذه الأمراض في التجمعات العرقية الصغيرة أو التجمعات الدينية الصغيرة أو القبائل والعشائر التي تحرص على التزاوج فيما بينها لأسباب عرقية أو دينية أو اجتماعية، وكلما ضاقت دائرة التزاوج زاد هذا الاحتمال، وأضيق دوائر التزاوج هذه - كما هو واضح - هي دائرة الأقارب. فالحاصل أن زواج الأقارب لا يسبب مرضًا بذاته وإنما يزيد من احتمال انتقال بعض المورثات المرضية من جيلٍ إلى آخر، ولكن ليس هناك حالة وراثية معروفة تؤدي إلى حدوث المرض بشكل حتمي وإنما هي نسبة احتمالية أعلى منها في دائرة الأقارب منها في الدائرة السكانية العامة.
ومرةً أخرى أقول إن زواج الأقارب ليس سببًا في حصول المرض بذاته، وإنما هو وسيلة لازدياد نسبة احتمال حدوث المرض بسبب ما تقدم بيانه، وعلى هذا لا يجوز لأحد - في نظري - أن يلقي بالاتهام واللوم على من اختار الزواج من قريب له أو قريبة طالما أن الشرع قد أباحه مطلقًا، بل قد تتحقق من هذا الزواج من المصالح الاجتماعية والدينية ما يفوق هذا الضرر المحتمل. ولكننا في الوقت نفسه نقول إنه لا بد من توعية الناس تجاه هذا الأمر الذي فيه نوع ضرر بلا شك، بحيث يختار الأقارب الزواج على علمٍ وبينة من هذه الاحتمالات لا سيما إذا كانت هناك قصة عائلية تشير إلى انتشار بعض هذه الأمراض الوراثية في عائلة أو قبيلة أو مجموعة عرقية أو دينية، مع العلم بأن وسائل الفحص المخبري قد تقدمت - بفضل الله - إلى الحد الذي قد يسمح بتشخيص الأفراد الحاملين لبعض هذه المورثات قبل الزواج بغية توعية المقبلين على الزواج والمحاولة من الحد من حدوث هذه الأمراض الوراثية التي تشكل عبئًا
(1) الصبغيات هي ما يعرف بالأجنبية بـ"الكروموسومات"وهي مجموع المادة الوراثية ولكل إنسان 23 زوج منها (أي 46 صبغي) ، أما المورثات فهي جمع مورثة، والورثة جزء من الصبغي يكون مسؤولًا عن سمة أو صفة معينة (كلون العينين) أو مرض معين (كداء التليف الكيسي)