وبهذا يتحرر لدينا كون الأطفال محلًا للآلام والمصائب وتتحرر لدينا ألوان الفتن التي قد تعرض للمكلف في أولاده، ويبقى علينا أن نتجول في بستان أسماء الله تعالى وصفاته لننتقي بعض الأزهار والثمار الدالة على آثار هذه الأسماء والصفات العلية القدسية لتتحقق عبوديتنا لله تعالى على أفضل وجه ممكن لنا، والله المستعان.
تتنوع مصائب الأطفال الصحية وأمراضهم تنوعًا واسعًا، ولسوف أستعرض صنفين من الأمراض يتميز كل منهما بطبيعة مرضية تُبرز حكمًا وعبرًا قد لا تُلاحظ في الأخرى، وتندرج تحت كل من الصنفين العديد من الأمراض التي قد أشير لبعضها كنموذج أو لإبراز فائدة أو التنبيه على لطيفة دقيقة.
المطلب الأول: التشوهات والاعتلالات الخلقية:
تضم هذه المجموعة شتى أنواع الاعتلالات الخلقية التي تتناول بالدرجة الأولى شكل الطفل ومظهره الخارجي، وهي اعتلالات غالبًا ما تكون ملفتةً للنظر بحيث تثير قلق الوالدين على الطفل كما تثير فضول العامة لما عليه الطفل من تشوه أو عيب خلقي مما قد يسبب حرجًا أو ضيقًا اجتماعيًا للوالدين أو للطفل حينما يكبر. ومن أمثلة هذه الاعتلالات الخلقية العَلَم (انشقاق الشفة الخلقي) ، ومتلازمة داون (المنغولية) ، نقص تشكل الأطراف، القيلة السحائية، وغيرها. كما أن بعض هذه الاعتلالات قد لا يكون ظاهرًا للعيان ولكنها تتسبب في تأخر التطور السلوكي الحركي للطفل كما هو الحال في تشوهات الدماغ الخلقية (كالدماغ الاملس أو استسقاء الدماغ الخلقي) أو تتسبب في تأخر النمو الجسدي وفي اضطرابات صحية متكررة كما هو الحال في أمراض القلب الخلقية (كالفتحة بين البطينين، ورباعي فالو وغيرها) . وقد لا يظهر أثر هذه التشوهات والاعتلالات على الطفل مباشرة مما يجعل تصور المشاكل الصحية التي يتوقع أن يتعرض لها الطفل في المستقبل صعبًا على الأهل.
ولا شك أن ابتلاء الله تعالى الأبوين بطفل مصاب بشيء من هذه الاعتلالات مصابٌ شديد وابتلاء عظيم، وقد يذهل الأبوان أو أحدهما عن شهود الحكم والعبر المتعلقة بهذا الابتلاء في سياق انشغالهما بالنواحي الطبية والعلاجية فيفوِّتان على أنفسهما فرصة الاحتساب وطلب الأجر من جهة، وفرصة التقرب إلى الله تعالى بعبادات هذا المشهد من جهة أخرى.