مبصرون" [1] ، أما أتباع الشيطان فيدعهم متبوعهم ماضين في سبل الهلاك دون أن يشد حبلهم أو لجامهم عن معصية الله:"وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يُقصرون" [2] ، ولا شك أن موقف اتباع الشيطان في هذا المشهد هو موقف التذمر والتبرم والنفور من أمر الله نسأل الله العافية."
وأنبه هاهنا إلى أننا لا نتهم كل من أصابه الله تعالى بهذا الابتلاء - أو بغيره - بالمعصية وليس لنا أن ننظر إليه بعين الريبة إذ أن الابتلاء قد يكون لما تقدم كما قد يكون لتمحيص إيمان العبد وزيادة درجته ورفعة مكانته كما ابتلي خير البشر محمد صلى الله عليه وسلم، وإنما أردت التنبيه على هذه الناحية حتى لا يغفل عنها المبتلى فيما بينه وبين الله عز وجل.
من المعلوم طبيًا أن بعض الأجنَّة تتخلق بصورة طبيعية في بداية الحمل ثم تعرض لها بعض الحوادث والعوارض داخل الرحم في مرحلة لاحقة من الحمل فتؤدي إلى اعتلال وتشوه شكلي أو وظيفي ينتج معه ولادة طفل غير طبيعي رغم سلامة الجنين في بداية الحمل. ومن أمثلة هذه الحوادث بعض الإنتانات التي تصيب الجنين داخل الرحم أو حالات انسداد شرايين المشيمة أو الجنين أو بعض الالتصاقات التي تصيب الأغشية المحيطة بالجنين، وقد تحدث بعض هذه الحوادث في المراحل المتأخرة من الحمل بعد أن يكون الأبوان قد اطمأنا إلى سلامة الحمل من خلال بعض الفحوص المتوفرة اليوم كتصوير الجنين بأمواج ما فوق الصوت ونحوه، فيفتر الأبوان عن الدعاء إلى الله طلبًا لسلامة الحمل لأن الجنين سليمٌ في ظنهما. والشاهد هنا أن الأبوين في بداية الحمل كثيرًا ما يستشعران افتقارهما إلى الله تعالى لأجل سلامة خلق الجنين ويستسلمان إلى الله تعالى في ذلٍ وضراعةٍ راجين صحة الجنين وعافيته، فإذا ما تبين لهما سلامة الجنين قرب منتصف الحمل - وهي الفترة التي يجرى فيها عادة هذا التصوير بالأمواج فوق الصدى - فترت همة الدعاء وخفا صوت المناجاة وخبا داعي الافتقار إلى الله تعالى كدأب الإنسان مع ربه حين يصل شاطئ السلامة، قال تعالى:"وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه" [3] ، فكان في شهود هذا النوع من التشوهات الخلقية الناجمة عن إصابة الجنين في مراحل الحمل المتأخرة رادعًا عن ذلك وداعيًا إلى مداومة النظر في حال فقر العبد لخالقه وملازمة عتبة الضراعة إلى الله واللجوء إلى جنابه. وإن من تأمل في قوله تعالى:"يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقًا من بعد خلق في ظلمات ثلاث ذلكم الله ربكم له الملك لا إله إلا هو فأنى تُصرفون" [4] أدرك أن سلامة الخلق في مرحلة من مراحل حياة الجنين لا
(1) سورة الأعراف - آية 201
(2) سورة الاعراف - آية 202
(3) سورة الإسراء - آية 83
(4) سورة الزمر - آية 6