فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 47

على مكانتهم فما استطاعوا مضيًا ولا يرجعون. ومن نعمره ننكسه في الخلق أفلا يعقلون" [1] ، والمشاهد المذكورة في هذه الآية وإن كان منها ما هو في الآخرة إلا أنها عامة في تقرير مشيئة الله تعالى وقدرته على هذا الطمس والمسخ، أما التنكيس في الخلق فصريحٌ ومشاهدٌ في الدنيا في كل يوم فيمن يذهب بصره وسمعه وعافيته وعقله مع تقدم عمره نسأل الله العافية، فكيف يركن بعد هذا أحدٌ إلى سلامة خلقته فيما مضى ويأمن مكر الله تعالى فيما هو آت، ألا فلا يركنن أحدٌ إلى سلامة خلقته ولا يستكبرنّ أحد عن مداومة النظر والافتقار إلى الله تعالى للوقاية من ابتلاء شبيه بما يراه عند الأطفال مشوهي الخلقة وإن قصر عقله عن تصور كيفية إنزال الله تعالى هذا البلاء به."

ثامنًا: استخراج عبادة الصبر عند الأبوين:

إذ لاشك في أن الابتلاء بمثل هذه التشوهات والآفات يشكل صدمةً شديدة للأبوين في لحظةٍ هي أرجى ما تكون فرحًا بقدوم الطفل السليم الصحيح المنتظر فإذا بالمولود على غير ما هو متوقع، أو بالطبيب يخبر الأهل بما لم يخطر على بالهما وهما يريان طفلًا سليمًا في الظاهر فإذا به مصابٌ بمرض خلقي خفي خطير، والحقيقة أن مواجهة هذه اللحظة بالصبر والجلَد والقبول لقضاء الله تعالى وقدره لا يمكن أن يتحقق تمام التحقيق وأن يمارس حق الممارسة إلا باستعدادٍ سابق وعلى قاعدة إيمانية راسخة، إذ من السهل على الإنسان أن يصبر على بلاءٍ ما بعد مرور سنين طوال ويتعود الأمر ويقبله، وهذا المشهد يشترك فيه الكثير من الناس، ولكن الصبر المميز للثلة القليلة هو صبر الصدمة الأولى الذي ينأى بالمرء عن مظاهر التذمر والتبرم والتضجر ويقيه من معصية السخط على قضاء الله تعالى والعواقب الوخيمة لذلك. وتأمل معي هذا الحديث الشريف لتدرك ما نقول، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى على امرأة تبكي على صبيٍ لها فقال لها: اتقي الله واصبري. فقالت: وما تبالي بمصيبتي؟ [2] فلما ذهب قيل لها: إنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذها مثل الموت [3] ، فأتت بابه فلم تجد على بابه بوابين، فقالت: يا رسول الله! لم أعرفك. فقال:"إنما الصبر عند أول صدمة"أو قال:"عند أول الصدمة" [4]

فهذا الحديث عظيمٌ في هذا الباب وهو يؤصل لنا ما ذكرنا من أن الصبر الذي يتميز به المؤمن هو صبر الساعة الأولى والصدمة الأولى، أما الصبر الذي يأتي بعد طول البلاء نتيجة تعوُّد وتقبُّل متأخر فهذا لا شك أن درجته دون درجة صبر الصدمة الأولى، ويشترك في هذا الصبر كثير من الناس بل قد يشترك فيه غير المؤمن مع المؤمن!

(1) سورة يس - آية 66 - 68

(2) ولم تكن قد عرفت أنه النبي صلى الله عليه وسلم، وفي بعض الروايات قالت: إليك عني ..

(3) أي فزعت لأنها أدركت أنها أساءت الأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم

(4) صحيح مسلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت