فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 47

فأنت ترى أن أثر هذا الدعاء - بالإضافة إلى ما تقدم من تحقيق مرتبة التضرع والتبرؤ من الحول والقوة - يتضمن أيضًا الوقاية من نفس البلاء المشاهد. وهنا نكتةٌ دقيقةٌ أرجو أن أوفَّق إلى بيانها وهي أن التشوهات الخلقية التي تصيب الأطفال تكون ناجمة عن خلل أو اضطراب في التصوير والتطور الجنيني بما لا يُتصور حصوله بشكل كسبي عند من وُلِد سليمًا معافى من هذه التشوهات، فهو ليس محلًا لحصول هذه التشوهات فيه بعد أن تم خلقه وتصويره، فما وجه الأثر المترتب على هذا الدعاء عنده وقد قلنا إن من فوائد هذا الدعاء عدم إصابة المكلف بهذا الابتلاء؟ وصورة المسألة أن المكلف سليم الخلق قد يتوهم أنه غير محتاج إلى أثر هذا الدعاء في الوقاية من الابتلاء بالتشوهات الخلقية لفوات محل حصول ذلك التشوه فيستغني - واهمًا - عن هذا الدعاء، فكيف نزيل هذه الشبهة وندحض هذا الوهم؟

والجواب عن هذا بسيط وله وجهان؛ أحدهما تحقيق النظر في محل الابتلاء على النحو الذي قدمناه في فصلٍ سابق [1] ، فهذا التشوه الخلقي قد لا يصيب نفس المكلف ولكنه قد يصيبه في ولده وذريته التي قد يرزقه الله تعالى بها، بحيث يكون أثر الدعاء متحققًا في المعافاة من ابتلاء ذريته بمثل هذا التشوه الذي يشاهده في ذرية أناسٍ آخرين، وبالتالي يتحقق أثر الدعاء عند هذا المكلف وإن لم يكن هو نفسه محلًا لوقوع البلاء في جسده، فتنبه.

أما الوجه الثاني فيعود إلى تحقيق الإيمان بتمام قدرة الله عز وجل على خرق أي ناموسٍ كوني، فلا يمتنع في قدرة الله تعالى أن يبتلي من يتكبر على الخضوع لهذا المشهد التعبدي بمسخٍ أو نقصٍ كسبيٍ في خلقته يكون شبيهًا بهذا الابتلاء الذي توهم أنه ناجٍ منه وأنه غير مفتقرٍ إلى الله تعالى في مداومة التنعم بالسلامة منه، ولقد دلت النصوص صراحةً على وقوع مثل هذا المسخ كما قال تعالى:"قل هل أنبئكم بشرٍ من ذلك مثوبةً عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاعوت أولئك شرٌ مكانًا وأضل عن سواء السبيل" [2] ، وقوله تعالى:"فلما عتوا عما نُهوا عنه قلنا لهم كونوا قردةً خاسئين" [3] ، وقوله تعالى:"ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردةً خاسئين" [4] ، وأنت ترى أن القاسم المشترك بين من عوقب بهذا المسخ هو العتو والاستكبار عن الانقياد لأمر الله تعالى، وشبيه به - والله أعلم - الاستكبار عن الخضوع له تعالى بعبادة الدعاء المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم لتوهم عدم الحاجة إليه والاستكبار عن التبرؤ من الحول والقوة في دوام النعمة والافتقار في ذلك إلى الله تعالى وحده، وإليك هذه الآية الجامعة في تقرير مشيئة وقدرة الله تعالى المطلقة على مسخ من يشاء من خلقه، قال تعالى:"ولو نشاء لطمسنا على أعينهم فاستبقوا الصراط فأنى يبصرون. ولو نشاء لمسخناهم"

(1) راجع فصل"تحرير القول في كون الأطفال محل ابتلاء"

(2) سورة المائدة - آية 60

(3) سورة الأعراف - آية 166

(4) سورة البقرة - آية 65

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت