تحول دون وقوع الابتلاء في الخلق في مرحلة تالية ولم يقع فريسة وهمِ السلامة من الابتلاء ولم يركن إلى صورة طبيعية أو اختبار سليم أو غيرهما من الأسباب المادية وإنما نظر إلى السلامة المرحلية للجنين بعين الشكر من جانب وبعين التذلل والرجاء والخضوع والابتهال إلى الله تعالى أن يجعل تمام الحمل كبدايته من جانبٍ آخر، ولولا مشاهدة أنواع التشوهات الخلقية المتأخرة هذه لفات على كثير من الناس القيام في مشهد العبودية هذا، فتأمل.
وأعني بطبيعة الحال السقوط العفوي للجنين، إذ من المعلوم أن بعض الحوامل يسقط ما في أرحامهنَّ في مراحل مبكرة جدًا من حياة الجنين، وإن الفحص التشريحي المرضي الدقيق لهذا السِقط كثيرًا ما يشير إلى وجود اعتلالات خلقية وراثية وشكلية في هذا السِقط، فيكون من نعمة الله تعالى على الأبوين عدم تمام هذا الحمل بتقديره عز وجل وحكمته، ولولا أن بعض الأحمال تصل إلى تمامها بولادة أطفال مشوهي الخلقة لما أدركنا تمام نعمة الله علينا بإسقاط الحمل المشوه وإتمام الحمل السليم، يقول تعالى:"الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار. عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال" [1] ؛ فما تغيض - أي تنقص - الأرحام هو السِقط [2] ، والسِقط يكون نتيجة تشوهاتٍ خلقية أحيانًا وتكون هذه التشوهات مستورةً عنا في علم الغيب ولولا ظهور بعضها لنا في علم الشهود لما أدركنا تمام نعمة الله علينا حين تقضي مشيئته سبحانه بسقوط الحمل الذي قُدِّر له التشوه وإتمام الحمل الذي قُدِّر له سلامة الخلقة.
وعلى سبيل المثال فإن الكثير من التشوهات الخلقية عند الأطفال تكون ناجمةً عن اعتلالات في الصبغيات [3] ، وإن الكثير من حالات الإسقاط العفوي المبكر تكون بسبب اعتلالات أشد اضطرابًا في هذه الصبغيات، فلا يدرك تمام المنة في إسقاط هذه الأجنة من لم يعاين مصاب الأجنة ذات الاعتلال الأخف. فكم من أم تكرر سقوط حملها وانتابها الضيق والألم لما تستشعره من بلاء بفوات الحمل، حتى إذا حملت ووقع ما تشتهيه من تمام الحمل قدَّر الله تعالى أن يكون وليدها ذاك مبتلى بتشوه أو آفة خلقية تهون مع معاينتها ما كان يضيق منه الأبوان سابقًا من عدم تمام الحمل، فإذا بالصورة تكاد تنعكس ويدرك الأبوان أن ما كانت الأم تكرهه من سقوط الحمل قد كان في الواقع خيرًا لها، وأن ما كانت تحبه
(1) سورة الرعد- آية 8 - 9
(2) السِقط اسم يُطلق على ما تسقطه الحامل قبل تمام الحمل سواء أكان الإسقاط عفويًا أم محرضًا
(3) الصبغيات هي ما يُعرف بالأجنبية بـ"الكروموسومات"، وهي المادة الوراثية المحتواة في نواة كل خلية في جسم الإنسان، وعدد الصبغيات الطبيعي هو 46 يأتي نصفها من الأم ونصفها الآخر من الأب.