الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى قد صور أبانا آدم وخلقه بيديه وشرفه وسواه وأقامه منتصبًا ليسموا على باقي المخلوقات، فمسكين من لم يتأمل ويتدبر هذا المشهد وأخذ يتلفت يمنةً ويسرة وهو يبحث عن أوكار الشياطين ليغير لون جلده أو تصل شعرها أو يهندس شكل مولوده القادم، مسكين ذلك التائه عن شهود كمال خلق الله.
لطالما كان جنس المولود محط اهتمام الأهل؛ يفرحون بولادة الذكر ويستبشرون، ويتشاءمون بولادة الأنثى ويحزنون، ولئن كانت لحظة الفرح والحزن هذه رهينة ساعة الولادة في السابق، فإننا نجد اليوم تهافتًا من الأبوين وغيرهما على تحديد جنس الجنين أثناء الحمل بالتصوير بأمواج ما فوق الصوت ونحوه مما يتوفر من وسائل طبية، فإذا بالأم تقضي فترة حملها المتبقية مكتئبةً لكون الجنين من هذا الجنس أو ذاك، وربما تحيَّرت في كتمان الخبر عن زوجها، وهكذا دواليك، قلق واضطراب وفي حقيقة الأمر كفران نعمة وتطاول على الله تعالى وجحود لمشيئته، قال تعالى:"لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثًا ويهب لمن يشاء الذكور أو يزوجهم ذكرانًا وإناثًا ويجعل من يشاء عقيمًا إنه عليمٌ قدير" [1] . فمن حكمة الله تعالى في حدوث بعض التشوهات الخلقية المخلَّة بسلامة المولود أن يدرك الناس تمام نعمة الله عليهم حين يرزقهم مولودًا سليمًا ويرتدعوا عن التبرم والتضجر والتسخط لكون هذا الطفل السليم ذكرًا أم أثنى، بل إن بعض التشوهات أو الاعتلالات الخلقية قد تصيب الأعضاء التناسلية للمولود فلا يتميز كونه ذكرًا أم أنثى أصلًا - وهو ما يعرف بالخنثى - فيكون في شهود هذه الأنواع من الاعتلالات الخلقية ترسيخ للقناعة بالمولود السليم بغض النظر عن موافقة جنسه لرغبة الوالدين وهواهما.
إن الذي يرى ما يُبتلى به بعض الناس من أطفال مصابين بتشوهات أو أدواء خلقية حري به أن يحمد الله تعالى ويشكره ويقبل ما قسمه له من ذكور أو إناث طالما كانت الصحة سليمة والخلقة تامة غير مشوهة ولا معلولة، ولو أن أحدهم خُيِّر بين ذكرٍ مشوّه أو أنثى سليمة - أو العكس - لآثر السليم منهما بلا تردد، فما لنا نكفر نعمة الله تعالى ولا نؤدي حق شكرها، ألا فلنتذكر قوله تعالى:"وإذا بُشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودًا وهو كظيم. يتوارى من القوم من سوء ما بُشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون" [2] ، إي والله، ساء ما يحكمون.
(1) سورة الشورى - آية 49 - 50
(2) سورة النحل - آية 58 - 59