إلى مجال آخر هو الإقدام على التلاعب بالمادة الوراثية التي منَّ الله تعالى على الإنسان باكتشافها لا بغية علاج مرض - فهذا مشروع بضوابطه إن شاء الله - وإنما بغية تغيير لون عينين أو"تفصيل"جنين حسب الطلب لأبوين متطاولين على حدود الله تعالى غير قانعين بهبة الله عز وجل، يظن أولئك السفهة أن بعض العلم الذي لديهم يغنيهم عن الله تعالى، وصدق الله العظيم إذ قال:"كلا إن الإنسان ليطغى. أن رآه استغنى" [1] . والشاهد هنا أن ما نشاهده من التشوهات الخلقية أو الأمراض الخلقية الشديدة المنفرة قد اكتشف أنها ناجمة - من الناحية السببية - عن خلل أو اضطراب يصيب بضعة خلايا أو بضعة جزئيات أو أحيانًا حمضًا أمينيًا واحدًا في سلسلة تتجاوز المئات من الحموض الأمينية التي تشكل المادة الوراثية المسؤولة عن هذا الاضطراب الخلقي، فكيف يضمن من يتلاعب بهذه المادة الوراثية ألا يصيبه الله تعالى باعتلالات أشد تنفيرًا وأكثر سوءً، فما بال الإنسان إذًا يتلاعب بهذه المادة الوراثية بدون مسوغٍ اللهم سوى التطاول على خلق الله ومد يد العبث والتغيير اتباعًا لأمر الشيطان؟!
ألا فليثب إلى الله هؤلاء وليقنعوا بقوله تعالى:"لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم" [2] ، وقوله تعالى:"يأيها الإنسان ما غرك بربك الكريم. الذي خلقك فسوَّاك فعدلك" [3] ، وليضبط ما يمنُّ به الله علينا من علم واكتشاف ويوجهه وجهةً علاجيةً مشروعةً محمودة، وليكفَّ عن مد يد التغيير والطغيان إلى خلق الله تعالى فإن ذلك غير محمود العاقبة البتة.
فحكمة الله تعالى في هذا المشهد تتجلى في الردع والزجر الذي تمثله مشاهدة هذه التشوهات الخلقية الحادثة بعلم الله وإرادته عبر تغيير بسيط في جزيء أو عنصر من عناصر المادة الوراثية فيكف الإنسان عن التلاعب بجهله وبغروره بما لا يعرفه ولا يدرك عواقبه ولهدفٍ غير مشروعٍ أصلًا، فنقول بإيمان ويقين:"فتبارك الله أحسن الخالقين" [4] ، ونقول لمن لا يرتدع ولا ينزجر:"ومن يتخذ الشيطان وليًا من دون الله فقد خسر خسرانًا مبينًا. يعِدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورًا" [5] فهاتان الآيتان تثربان على من اتبع سبيل الشيطان والعياذ بالله.
والخلاصة هاهنا أن ندرك ونوقن أن خلق الله تعالى للإنسان يمثل ذروة الإبداع وأحسن التصوير، وليس أدل على ذلك من النفرة الشديدة الملاحظة من بعض التشوهات الخلقية التي نعاينها بين الحين والآخر لتنبهنا إلى شتى أنواع الاحتمالات والأشكال المتنوعة للخلق وكيف أن الله تعالى قد اختار لنا أحسنها وأكملها؛ إن الله قادر أن يخلقنا مطموسي الأعين أو مشقوقي الآذان أو بلا أطراف أو غير ذلك ولكنه
(1) سورة العلق - آية 6 - 7
(2) سورة التين - آية 4
(3) سورة الإنفطار - آية 6 - 7
(4) سورة المؤمنون - آية 14
(5) سورة النساء - آية 119 - 120