فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 47

فلقد خلق الله تعالى الإنسان لعبادته، وابتلاه بالخير والشر لفتنته، حيث قال تعالى:"وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون" [1] ،وقال تعالى:"ونبلوكم بالشر والخير فتنة" [2] . وإن من الأصول الثابتة في الشريعة الإسلامية أن محل التكليف عند العبد هو العقل، وأن الثواب والعقاب والعبادة والاحتساب لا بد من أن تقوم على أساس التكليف، بحيث قد يستشكل البعض منا ما يقع لغير المكلفين أحيانًا من آلام أو ابتلاءات ظاهرها الشر، إذ أن غير المكلف لا يكون محلًا للاحتساب فيؤجر، ولا يكون محلًا للتذمر والتبرم فيزجر ويؤزر، وقد يجد إبليس وجنده في هذا مدخلًا يدخل به على العبد فيثير فيه الهواجس والشكوك متسائلًا عن ذنب هؤلاء حتى يُبتلوا، وعن وجه تقصيرهم حتى يُحرموا، وغير ذلك من الوساوس والأوهام التي يعكّر بها إبليس على العبد صفاء عقيدته وسكون قلبه.

ولما كان محل الرأفة والرحمة والشفقة في قلب الأبوين أرضًا خصبة لبذور إبليس ووساوسه هذه، ولما اقتضت حكمة الله تعالى أن يُصاب بعض الأطفال بشيء من الآلام والأمراض والتشوهات الخلقية، ولشدة الأمر على كثير من الآباء والأمهات حين يبذلون قصارى جهدهم ويبذلون الغالي والنفيس في سبيل التخفيف عن أطفالهم مع تباينٍ وتفاوتٍ في مدى فهم وقبول هذا الأمر والابتلاء حسبما عاينت ورأيت من خلال مهنتي كطبيب أتعامل مع الأطفال، بل مع فئة خاصة من الأطفال المصابين بأمراض عصبية وخلقية كثيرًا ما تكون وخيمة الأثر على صحة الطفل وتطوره الروحي الحركي، وجدت لزامًا عليَّ أن أساهم في تخفيف وطأة الأمر على الأبوين من جهة، والتنبيه على مَواطن الخير والاحتساب أو مواضع الزلل التي قد يغفلان عنها أحيانًا في خضم سعيهما إلى تطبيب طفلهما وتدبير أمره. كما أنبه من شاء الله تعالى أن يَسلم أولاده من داءٍ أو مرض إلى عظيم فضل الله تعالى ونعمته عليه من جهة، وإلى أنه مبتلى من وجه آخر ومن جهة أخرى هي جهة السلامة والابتلاء بالخير، وعقدت العزم متوكلًا على الله تعالى على تصوير المسألة وتقعيدها من المنظور الإسلامي على قدر استطاعتي راجيًا من الله تعالى التوفيق والسداد، فما كان في هذه الرسالة من صواب فمن الله، وما كان غير ذلك فمني، وأرجو ألا يضن عليَّ أحد بتصويبه أو توجيهه.

(1) سورة الذاريات - آية 56

(2) سورة الأنبياء - آية 35

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت