فعل ذلك بمشيئته وقدرته لا بحكم الطبيعة كما يزعم الجهلة، وهو عز وجل حين يشاء يخلق ذلك الطفل بإصبع زائدة أو قدمٍ ناقصة أو مظهرة مختلفٍ عما ألفه الناس، وما ذلك إلا تنبيهًا للغافلين وتثبيتًا للموقنين بأنه:"هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى يسبِّح له ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم" [1]
وإنني أقرر في هذا المقام أننا في عصر العلم والتقدم التقني الطبي والتشخيصي والعلاجي أحوج ما نكون إلى استحضار هذه الناحية أعني مشيئة الله تعالى النافذة في كل خلقه، لا سيما وأن العلم من مظانِ طغيان العبد وتجاوزه حده، قال تعالى:"كلا إن الإنسان ليطغى. أن رآه استغنى" [2] ، فالإنسان اليوم في عصر العلم - كما يدّعي - كثيرًا ما يجنح إلى الطغيان، ويغفل عن الضراعة إلى الله عز وجل مكتفيًا بالركون إلى أسباب العلم المادية، فكان لا بد من تذكير مثل هذا الإنسان وتنبيهه إلى أنه مهما استغنى بسببٍ فهو أبدًا مفتقرٌ إلى خالقه وخالق ذلك السبب. ولعل من المفارقات العجيبة في هذا الباب مثلًا ما حصل من تطور وتقدم علمي في مجال العقم؛ ففي حين كان الملجأ الوحيد - ولا يزال في حقيقة الأمر - للزوجين المحرومين من الإنجاب والذرية هو التضرع إلى الله تعالى والدعاء واللجوء إليه سبحانه، نجد خفوت وتضاؤل داعي التضرع والتذلل هذا اليوم مع وجود بعض التقدم العلمي التقني الذي يمكن أن يتجاوز بعض أسباب العقم، واستغنى الإنسان بها بغفلته وزعمه فطغى وتجاوز الحد ولم يعد يلتفت إلى الدعاء التفاته السابق لاكتشاف هذه الأسباب، فكان لا بد من أن يكون التنبيه أشد والتذكرة أعنف، وإنك لترى أن نسبة حدوث الاعتلالات والتشوهات الخلقية عند أطفال ما يسمى"أطفال الأنابيب"وغيرها من وسائل تدبير ومعالجة العقم أكبر منها عند غيرهم من الأطفال، ولا أقصد التثريب على من تحرى طرق التداوي فهذا في حد ذاته مشروع وإنما التنبيه من الغفلة والركون إليها عن كمال الاستسلام والانقياد والخضوع لمشيئة الله عز وجل.
هذا وإن الأصل في شهود تمام مشيئة الله تعالى في خلقه للطفل هو قوله تعالى:"هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز الحكيم" [3] ، فتمام مشيئة الله تعالى تقتضي أنه ما شاء عز وجل كان وما لم يشأ لم يكن، ولكن لما كان تكرار الحوادث المنتظمة الثابتة مظنة الغفلة عن تعلُّق مشيئته تعالى بكل حدثٍ منها كان من تمام حكمة الله تعالى ودواعي حمده أن جعل من هذه الحوادث ما لا
(1) سورة الحشر - آية 24
(2) سورة العلق- آية 6 - 7
(3) سورة آل عمران - آية 6