فهرس الكتاب

الصفحة 7 من 47

وهذا يدفعني إلى تنبيه نفسي وغيري إلى أن الاستعداد للتعامل مع هذه الابتلاءات لا بد من أن يكون حاضرًا في ذهن المكلَّف، لأن ساعة معاينة المصيبة ووقوع الابتلاء قد تكون ساعة ذهول تنأى بالفرد عن التعامل الصحيح معها، فليتنبه.

والآن، ما هي الحكم والعبر المستفادة من شهود الاعتلالات والتشوهات الخلقية عند الأطفال؟

أولًا: مشاهدة تمام تصرف الله تعالى في مملكته والتدبر في لوازم ذلك:

إن الله تعالى حيث خلق الكون جعله يجري وفق سنن كونية تحفظ ثباته وتصون نظامه، وقد يدفع هذا الانتظام الثابت المستقر بعض الناس إلى توهم حتمية هذا النظام وقهريته، بل إن البعض قد يغفل عن شهود الصانع المتصرف في خلقه نتيجة هذا الثبات الذي لا يكاد يختل البتة. فكان من تمام حكمة الله تعالى أن تحدث الحوادث الكونية الخارقة لسنن الكون المعتادة لتدل على أن حوادث الكون المعتادة مخلوقة مصنوعة لبارئها المتصرف في مملكته تمام التصرف بدليل حدوث غير المعتاد وغير المألوف. ولقد ذكر ابن قيم الجوزية رحمه الله كلامًا نفيسًا في هذا المعنى حيث قال:".. ولهذا يستدل سبحانه في كتابه بالحوادث تارة وباختلافها تارة، إذ هذا وهذا يستلزم ربوبيته وقدرته واختياره ووقوع الكائنات على وفق مشيئته، فتنوع أفعاله ومفعولاته من أعظم الأدلة على ربوبيته وحكمته وعلمه، ولهذا سبحانه خلق النوع الإنساني أربعة أقسام: أحدها لا من ذكر ولا أنثى وهو خلق أبيهم وأصلهم آدم، والثاني خلقه من ذكر بلا أنثى كخلق أمهم حواء من ضلع من أضلاع آدم من غير أن تحمل بها أنثى أو يشتمل عليها بطن، والثالث خلقه من أنثى بلا ذكر كخلق المسيح عيسى بن مريم صلى الله على نبينا وعليه، والرابع خلق سائر النوع الإنساني من ذكر وأنثى، وكل هذا ليدل عباده على كمال قدرته ونفوذ مشيئته وكمال حكمته، وأن الأمر ليس كما يظنه أعداؤه الجاحدون له الكافرون به من أن ذلك أمر طبيعي لم يزل هكذا ولا يزال" [1] قلت: فعبَّاد الطبيعة يزعمون أن الأمر أُنف، وأن المسألة مسألة أرحامٍ تضع وأرض تبلع بحكم الطبيعة، تمامًا كما أنهم يعزون بداية الخلق الإنساني بجهلهم وكفرهم إلى تطور الأنواع ونشوء الإنسان من سلالات حقيرة ترقت بزعمهم، فكان لا بد من ظهور آثار الصانع جل وعلا لتدكَّ معاقل كفرهم وتزجَّ بأوهام باطلهم في دركات جهنم، حيث قال تعالى:"يأيها الإنسان ما غرَّك بربك الكريم. الذي خلقك فسوَّاك فعدلك" [2] ، فمن لم يكن في تسوية الخلق دليل كافٍ له على شهود الصانع أردفه الله تعالى بدليل:"في أي صورة ما شاء ركَّبك" [3] ؛ نعم، إن الذي خلق الطفل سليم المظهر والشكل قد

(1) طريق الهجرتين وباب السعادتين - 125 - 126

(2) سورة الإنفطار - آية 6 - 7

(3) سورة الإنفطار - آية 8

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت