فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 47

فصل: تصوير المسألة:

إن صورة المسألة من المنظور الإسلامي تنطلق من جملةٍ من النصوص التي تجعل العقل مناط التكليف وتجعل الابتلاء بالشر وسيلة عقاب أو رفع درجة أو حط خطيئة عن المكلف؛ فأما دليل الأصل الأول فقوله صلى الله عليه وسلم:"رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل" [1] ، وأما دليل الأصل الثاني فقوله تعالى:"وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير" [2] ، وحديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم:"ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه" [3] . فإذا كان الأمر كذلك - وهو كذلك - فما وجه تنزُّل الآلام والأمراض والتشوهات بالأطفال وهم لم يجرِ عليهم القلم ولم يكتمل عندهم نصاب العقل الذي هو محل التكليف؟ إن كونهم غير مكلفين يخرج بهم عن ترتب آثار الابتلاءات عليهم؛ فلا ذنب عليهم يُكفره الابتلاء، ولا معصية عندهم يعاقَبون عليها بالمصيبة، وليسوا أهل عملٍ ليرفع لهم الألم درجة أو منزلة، وعند هذا المشهد يفترق الخلق إلى فريقين؛ فريق الضلالة وفريق الهدى. فأما فريق الضلالة فلا يكلف نفسه عناء رفع غشاوة الجهل وخرق حجب الشبهات عن قلبه، وأما فريق الهدى فلا يعدم في أي مشهدٍ يشهده رؤية أثرٍ من آثار الله عز وجل وأسمائه وصفاته القدسية، إما على سبيل الإجمال إن تعذر عليه الفهم، وإما على سبيل التفصيل إذا وفقه الله تعالى لإدراك حكمة المشهد، فتأمل.

ولما كان خطابي في هذه الرسالة المختصرة موجهًا إلى أهل القبلة ممن رسخت لا إله إلا الله محمد رسول الله في قلوبهم وتجذرت عقيدة التوحيد وحب الخالق فيها، فإني لن ألوث روعة المشهد بشبهات الضالين، وإنما أحاول أن أتدرج في مشهد أهل الهدى عسى أن نكون ممن قال فيهم سبحانه وتعالى:"فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه" [4]

فصل: تحرير القول في كون الأطفال محل ابتلاء:

مما تقدم نستطيع أن نقول إن الأطفال ليسوا محل ابتلاء من حيث كونهم مكلفين، في حين أن الواقع الذي نراه يثبت نزول المصائب والآلام والأمراض بالأطفال، وهذا يدفعنا إلى تقرير كون الأطفال محلًا لنزول البلاء ولكن باعتبارٍ آخر؛ ذلك أن الأطفال - فضلًا عن كونهم من جنس المكلفين - يمثلون مادةً

(1) رواه أبو داود والنسائي، واللفظ لأبي داود، وصححهما الألباني

(2) سورة الشورى - آية 30

(3) صحيح البخاري - كتاب المرضى

(4) سورة البقرة - آية 213

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت