فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 47

من مواد ابتلاء أفراد المكلفين الذين تعيَّن توجُّه خطاب الشرع إليهم، بمعنى أن الأطفال في مرحلة ما قبل التكليف ليسوا إلا وسيلة من وسائل ابتلاء الله عز وجل للأبوين المكلَّفين ومادة من مواد الاختبار، وهم أحد أنواع الزينة التي ابتلى الله تعالى بها المكلفين كما جاء صريحًا في قوله تعالى:"المال والبنون زينة الحياة الدنيا" [1] ، وقد تجنح هذه الزينة بالعبد جنوحًا يلهيه عن الآخرة وحرثها كما قال تعالى منبهًا:"اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيثٍ أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرًاُ ثم يكون حطامًا وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور" [2] ، كما قد تكون وسيلة حرثٍ طيبٍ للآخرة كما أخبر المعصوم صلى الله عليه وسلم قال:"إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة إلا من صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له" [3]

فإذا تبين كون الأولاد وسيلة حرثٍ أخروي طيب أو خبيث، تقرر أن الأولاد مادة من مواد اختبار المكلف ووسيلة من وسائل ابتلائه وفتنته وتمحيصه، وقد تقرر في النصوص الشرعية الثابتة أن الابتلاء يكون بالشر كما يكون بالخير، حيث قال سبحانه وتعالى:"ونبلوكم بالشر والخير فتنةً" [4] ، فإذا تبين ذلك كان تحرير القول في مسألة كون الأطفال محلًا للابتلاء هو تقرير ذلك الأمر لا باعتبارهم مكلَّفين بل باعتبارهم أدوات امتحان ووسائل تمحيص للمكلّف المعيَّن الذي توجه إليه الخطاب الشرعي. فتارةً يكون ابتلاء المكلف بالخير فيرزقه الله تعالى الولد سليم الخلق معافى البدن لا ألم يصيبه ولا أذى يناله، فتقرُّ عين الوالد والوالدة بعد طول تربصٍ وتضرعٍ إلى الله تعالى:"هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها حملت حملًا خفيفًا فمرَّت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحًا لنكونن من الشاكرين" [5] ، وتكون غاية الابتلاء هاهنا استخراج عبودية الشكر لله عند الوالدين، وتارةً يكون ابتلاء المكلف بعدم تمام الحمل أصلًا فيسقط الحمل بتقدير الله تعالى وحكمته:"الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار" [6] ، وتارةً أخرى يكون ابتلاء الله تعالى عبده بالمصيبة فيولد الطفل ناقصًا أو معلولًا أو مشوهًا وذلك لحكمةٍ يريدها الله تعالى - كما سنبين إن شاء الله - وحسبك أن تعلم أن الله تعالى قد شاء أن يبتلي بعض صفوة خلقه - وهم الأنبياء - بشيء من هذا حيث سجل القرآن الكريم تلك الحادثة في قوله تعالى حكايةً عن سليمان عليه السلام:"ولقد فتنَّا سليمان وألقينا على كرسيه جسدًا ثم أناب" [7] كما نبين لاحقًا إن شاء الله.

(1) سورة الكهف - آية 46

(2) سورة الحديد - آية 20

(3) صحيح مسلم

(4) سورة الأنبياء - آية 35

(5) سورة الأعراف - آية 189

(6) سورة الرعد - آية 8

(7) سورة ص - آية 34

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت