فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 47

وهنا مسألة لطيفة وهي: أيهما أفضل من رُزق بولدٍ سليم معافى فشكر أم من رُزق بولد مبتلى مشوه الخلقة فصبر؟ وهذه المسألة نظير مسألة الغني الشاكر والفقير الصابر، والتحقيق في هذه المسألة - وكل المسائل النظيرة لها - أن نذعن لقوله تعالى:"هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنّة في بطون أمهاتكم فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى" [1] ؛ فالعبد قد يُصلحه الابتلاء بالخير على وجه لا يحققه ابتلاؤه بالشر، وغيره قد يصلحه الابتلاء بالشر على وجهٍ لا يتحقق لديه بابتلائه بالخير، فكم من غنيٍ غافل لو أصابته العالة والفقر لثاب إلى الله، وكم من فقيرٍ صابرٍ قانع لو أصابه غنى لطغا وفجر ونسي الله، وكم من غني شاكر لو أصبته عالة لضجر وتبرم وسخط على قدر الله، وكم من فقير متذمر لو كان غنيًا لكان قوَّامًا أوابًا إلى الله تعالى، وهكذا .. فالتحقيق أن نذعن لحكمة الله تعالى فيما يختاره لنا من الابتلاء ونذعن لعلمه بنا الذي يفوق علمنا بأنفسنا، وأن الله تعالى أعلم بما هو أصلح لنفوسنا، فمن كان محلًا قابلًا ومتجهًا إلى الله تعالى وعلم الله أن الابتلاء بالخير أرجى لتحقيق إيمانه ورفع درجاته ابتلاه بالخير، ولو علم أن الابتلاء بالشر هو أرجى لتحقيق إيمانه ورفع درجاته لابتلاه بالشر، وهكذا. وتحقيق الأمر في مسألتنا أن نقول لمن رُزق بالطفل المشوَّه أن يصبر ولا يسخط ولا يحدِّث نفسه ويسيء الأدب مع ربه قائلًا: لو أن الله رزقني طفلًا سليمًا لكنت أريته سبحانه كيف أشكره، و أن نقول لمن رُزق طفلًا سليمًا أن يشكر الله ولا يسيء الأدب مع ربه قائلًا: لا يهمني لو أن الله ابتلاني بطفلٍ مشوَّه فإني أصبر على ذاك كما أشكر على هذا، إذ أن هذا كله من قبيل إحسان الظن بالنفس وهو مذموم قطعًا، بل يقبل الإنسان ما ابتلاه الله تعالى به محسنًا الظن بالله أنه سبحانه ما قدر له إلا ما هو خير له وأصلح في دينه ودنياه، كيف لا وهو الرؤوف بعباده الرحيم، فتأمل هذا فإنه عظيمٌ جدًا.

تاسعًا: الإقرار بكمال الخلق الإلهي للإنسان وبلوغ ذروة الإبداع في ذلك:

وهذه نعمة مغبون بها كثير من الناس لكثرة مشاهدة النعمة وأُلفها حتى يكاد ينعدم شهودها واستشعار منِّ الله بها فإذا بشكرها يضمحل شيئًا فشيئًا، بل قد يصل الطغيان والغرور بالإنسان إلى محاولة تبديل خلق الله تعالى واستبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير، فيتبع خطوات الشيطان فيما نبه الله تعالى به من مكائده:"ولأضلنَّهم ولأمنينَّهم ولآمرنهم فليبتكنَّ آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرنَّ خلق الله" [2] ، وها أنت ترى مظاهر فسق الإنسان وانحرافه في تغيير خلق الله يتعدى المظاهر الشكلية من وسمٍ ووشم ووصل وتفليج وتبتيك آذان [3] وثقب أجسام - كما هو مشاهد بكثرة عند الغرب الكافر- فإذا به يتعدى ذلك

(1) سورة النجم - آية 32

(2) سورة النساء - 119

(3) الوسم: إحداث علامة دائمة في جسد بهيمة أو إنسان كما يكون بأداة حديدية محماة، والوشم: حقن مادة تحدث نزيفًا تحت الجلد بشكل رسوم وأشكال دائمة، والوصل: من وصلت شعرها بشعر آخر كما هو معروف بالباروكة، والتفليج: توسيع المسافة بين الأسنان بالمبرد طلبًا للجمال وإيهامًا بصغر السن، وتبتيك الآذان: إحداث شق في أذن البهيمة. وهي كلها ممنوعة شرعًا (باستثناء بعص أشكال الوسم في غير الوجه)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت