يسير على نظام السنن الكونية المألوفة ليذكر من تذكر بأن هناك ربًا خالقًا صانعًا مريدًا مختارًا كما وصف نفسه عز وجل:"وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخِيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون" [1] .
وهكذا فإن الذي يشاهد طفله الذي رزقه الله تعالى إياه مصابًا بتشوه خلقي في الدماغ أو الجمجمة أو القلب يدرك ويوقن بأن مشيئة الله تعالى فقط هي التي أذنت بأن يكون طفله الأول - أو طفل غيره من الناس - سليم الخلق طبيعي الدماغ أو الجمجمة أو القلب. وبكلامٍ آخر نقول إن ولادة طفلٍ سليم ليست إلا أثرًا من آثار نفوذ مشيئة الله تعالى التامة تمامًا كما أن ولادة طفل مشوه الخلقة ليست إلا كذلك. وإن تحقيق هذا المشهد في نفس العبد ضرورة وركن من أركان الإيمان - أي الإيمان بالقدر - حيث إن الإيمان بالقدر يشتمل على الإيمان بمشيئة الله النافذة في كل شيء. فاعلم رعاك الله أن هذا المشهد فرصة ثمينة لزيادة إيمانك بالله عز وجل فلا تفوتنَّك هذه المرتبة الاختيارية وأنت تعاين هذا الابتلاء القهري.
والإنابة هي الرجوع، وهي من أنواع الهجرة إلى الله سبحانه وتعالى، ولا بد من أن تكون الإنابة إلى الله تعالى بعد نوع بعدٍ عنه سبحانه إما بغفلة أو معصية أو تقصير في أداء الشكر ونحو ذلك، فلا جرم أن الإنابة والرجوع إلى الله تعالى من أعظم أنواع الخير الذي يكتبه الله تعالى للعبد ويوفقه إليه، بحيث إنه لو فُرض أن سبب الإنابة إلى الله تعالى كان ظاهره الشر لم يبق لهذا الشر أثر في مقابل الخير العظيم والنفع العميم المترتب على إنابة العبد إلى ربه وسيده.
وإذا أردت أن تدرك عِظَم هذه النعمة فانظر إلى مكانة من أنعم الله تعالى عليه بها، وإذا أردت أن تعلم صلة هذا الأمر بموضوع التشوهات الخلقية عند الأطفال فتدبر معي هذا المشهد القرآني العظيم؛ قال تعالى:"ولقد فتنَّا سليمان وألقينا على كرسيه جسدًا ثم أناب. قال رب اغفر لي وهب لي ملكًا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب" [2] ، فعن عبد الله بن هرمز قال: سمعت أبا هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"قال سليمان بن داود عليه السلام: لأطوفنَّ الليلة على مائة امرأة أو تسع وتسعين، كلهن يأتين بفارس يجاهد في سبيل الله، فقال له صاحبه: قل إن شاء الله، فلم يقل: إن شاء الله، فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل. والذي نفسي بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرسانًا أحمعون" [3]
(1) سورة القصص - آية 68
(2) سورة ص - آية 34 - 35
(3) صحيح البخاري - كتاب الجهاد - باب من طلب الولد للجهاد