فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 47

فهذه الآية صريحة في ابتلاء نبيٍ من أنبياء الله تعالى - وهم أشد الناس بلاءً - بولادة طفل مشوه الخلقة حيث جاء نصف إنسان لا يستطيع حراكًا كما وصفته الآية"وألقينا على كرسيه جسدًا" [1] ؛ فهو نصف إنسان ملقى على الكرسي لا حركة له ولا فائدة منه لا سيما من حيث أراد أبوه وهو أن يكون فارسًا يجاهد في سبيل الله. [2] وإنما كان سبب هذا الابتلاء - والله تعالى أعلم - كما يبدو من سياق حديث أبي هريرة أن سليمان عليه السلام لم يستثنِ بالمشيئة، وقد كان ذلك منه غفلةً ونسيانًا لا جحودًا كما بينته روايةٌ أخرى عن أبي هريرة:"فقال له الملَك: قل إن شاء الله, فلم يقل ونسي"، إذ لا يصح أن يُنسب جحود الاستثناء بالمشيئة إلى نبيٍ من أنبياء الله تعالى حاشاهم عن ذلك، ولكن الغفلة عن مثل هذا من نبي من أنبياء الله تعالى يعتبر أمرًا يستحق التنبيه والمؤاخذة [3] ، فكان الابتلاء العظيم لا بعدم تحصيل الولد - رغم شرف الغاية المبتغاة منه - وإنما بتحصيل جزءٍ من الولد وهو أعظم حسرةً في قلب الوالد وأدعى للتبنيه من الغفلة والتذكير بالله عز وجل. وبمثل هذا التنبيه وعند وقوعه في المحل القابل - وهو قلب المؤمن - يتم استخراج عبودبة عظيمة هي عبودية الإنابة إلى الله تعالى، وانظر إلى التلاؤم ما بين هذه العبادة الجليلة المترتبة على الابتلاء بالمنع وبين اسم الله تعالى"الوهاب"الذي أعطى به عبده المنيب إليه - سليمان عليه السلام - ملكًا لا ينبغي لأحدٍ من بعده تعويضًا عن النقص المتقدم، ناهيك عن غفران زلته، وذلك بعد أن أناب إلى الله تعالى بعد معاينة البلاء"قال رب اغفر لي وهب لي ملكًا لا ينبغي لأحدٍ من بعدي إنك أنت الوهاب" [4]

وبناءً على هذا المشهد القرآني العظيم نستطيع أن نقول إن إحدى حكم الله تعالى الجليلة في ابتلاء العبد بالطفل مشوه الخلقة هي التنبيه على ذنبٍ متقدم أو غفلةٍ سابقة أو تقصيرٍ سابق من العبد، ومن المعلوم أن الله تعالى إذ يريد خيرًا بعبده يبتليه في هذه المواقف بما يدفع العبد إلى الرجوع والهجرة إلى الله، ولا يخفى ما في هذا من النفع والخير الذي يضمحل عند شاطئه كل شرأو مشقة عابرة ملازمة للابتلاء.

إن هذه الحكمة الجليلة تدفع بنا إلى القول بضرورة أن يقف الأبوان موقف مراجعة النفس عند معاينة مشهد الابتلاء بالطفل مشوه الخلقة ليسأل كل منهما نفسه: هل قصرت في جنب الله أو عصيته أو غفلت عن أمره بما يستوجب هذه التذكرة؟ فليتدارك الأمر إذًا وليحاسب قبل الحساب وليندم قبل أن لات ندم، وليحسن الظن بالله إذ أحسن الله تعالى إليه ولم يتركه لنفسه، فإن الله تعالى إنما يذكر عباده المؤمنين المتقين كما قال تعالى:"إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم"

(1) سورة ص - آية 34

(2) وفي هذا تنبيه على ضرورة سمو الهدف وشرف الغاية عند من يبتغي الإنجاب وكثرة الولد فلا يكون ذلك مفاخرةً ولا تكثُّرًا وإنما يجعله في سبيل الله سواء أكان للجهاد أم العلم أم غير ذلك من أبواب الخير التي يُبتغى لأجلها الولد طلبًا لمرضاة الله تعالى.

(3) وقد حصل جنس الابتلاء للغفلة عن الاستثناء بالمشيئة من حبيبنا ورسولنا صلى الله عليه وسلم حين سأله اليهود عن أهل الكهف فوعدهم بالجواب ولم يستثنِ صلى الله عليه وسلم فأبطأ عليه الوحي حتى همه ذلك، ونزل قوله تعالى:"ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدًا إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدًا"

(4) سورة ص - آية 35

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت