عمد الغربيون بسفاهتهم إلى تصنيف حالةٍ مرضية مزعومة تحت مسمى"متلازمة موت الأطفال المفاجئ"، وكأن الموت عند غير الأطفال يكون عن سابق موعد أو وفق تحضير يتناسب مع برنامج المتوفَى ومواعيده الخاصة، وعزف أولئك السفهة عن قول الله تعالى:"وما تدري نفسٌ ماذا تكسب غدًا وما تدري نفسٌ بأي أرض تموت" [1] ، والحقيقة أنهم يفرون من الموت في الصغر كما يفرون منه في الكبر، ولكن أين المفر؟! إلا أنه رغم بدهية حقيقة الموت لكل نفسٍ منفوسة كبيرةً كانت أم صغيرة، صحيحةً أم سقيمة، فإن موت طفل لا يزال يشكل صدمةً أشد تأثيرًا في النفوس من موت كهل أو شيخٍ كبير، وكأن هذا التأثير هو عين الحكمة المرادة من موته. ويبقى من الأهمية بمكان أن يستحضر المرء هذا الاحتمال ويتهيأ له ليكون أقدر على مواجهته بنفسٍ مطمئنةٍ صابرة، فالصبر إنما يكون عند الصدمة الأولى كما تبين لنا سابقًا.
ولعل من حكمة الله تعالى فيما يبتلي به الآباء والأمهات من إصابة بعض الأطفال باعتلالات وأمراض قد تفضي - بعد تدهورٍ تدريجي - إلى الموت أن يستحضر الأبوان هذا الأمر بحيث يتهيآن لاستقباله إذا ما قضت إرادة الله تعالى به، ولعل ما يتهيأ للأبوين من تحضير نفسي ومعنوي لاحتمال موت ولدهم نتيجة مرضٍ مترقٍ أدعى لتلقي صدمة الموت مما لو لم يتهيأ مثل هذا التنبيه، وأعود فأقول إن الله تعالى أدرى بنا وبمن يصلح له هذا التنبيه المتدرج ممن لا يصلح له، فلنسلم هذا الأمر لله تعالى ونوقن أن ما اختاره الله تعالى لنا هو الأصلح لأنفسنا وديننا، فرب أم لو مات لها ولد دون مقدماتٍ من مرض ونحوه لم تطق هول الصدمة، ولو أن موت ولدها تقدمه مرضٌ متدرج لكانت أحسن حالًا ومآلًا لها فتكون إصابة ولدها بمثل هذه الأمراض نعمةً كبيرة، وهكذا.
وعلى أية حال فإن موضوع موت الأطفال المصابين بأمراض معضلة تنكسية ومترقية يتناوله أمران أتوجه بأحدهما إلى الأهل وبالآخر إلى الأطباء المشرفين على علاج ومتابعة هؤلاء الأطفال فأقول وبالله التوفيق:
أما رسالتي إلى الأطباء فهي التخلص من نزعة تحديد"العمر المتبقي"للطفل أو الفترة المتبقية من حياته، فتارةً يُقال للأهل إن طفلكم لن يعيش أكثر من ستة أشهر، أو يقال إنه لن يعيش أكثر من سنة أو أنه سيموت خلال سنتين أو نحو ذلك من التخرُّص والقول على الله بغير علم؛ نعم إن بعض المعلومات الإحصائية قد تشير إلى حدوث الوفاة في إطارٍ زمني معين منذ بداية مرضَ ما، ولكن هذه معلومات
(1) سورة لقمان - آية 34