فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 47

زوال لها ولا انتقال منها ولا محيد عنها وهي الدار الآخرة" [1] . قلت: فإذا ما غفل الناس عن التدبر في هذا كان من حكمة الله تعالى أن يصاب بعض الأطفال وصغار السن بأمراض تؤدي إلى تنكس خلقهم وعودتهم إلى حالة الضعف والوهن بعد أن يكونوا قد تسلقوا درجاتٍ عديدة في سلم التطور الروحي الحركي، فإذا بالطفل بعد أن زحف وقام ومشى ونطق وركن الأهل إلى سلامة الجسد ويفعان الشباب إذا بمشهدٍ غير متوقع وعوارض ليس الطفل محلًا لها في العادة وفي عرف الناس ومشاهداتهم لتقول بلسان الحال: إن وراء هذا الخلق وهذه الأطوار وهذه القوة بعد الضعف والضعف بعد القوة خالقًا متصرفًا يشاء فيكون ولا يكون إلا ما يشاء. ولكأني بمشهد التنكس والضعف المبكر هذا بعد اطمئنان المرء إلى ظهور بوادر الصحة والسلامة واشتداد قوى الطفل واليافع شبيه بهذا المشهد القرآني العجيب:"إنما مثل الحياة الدنيا كماءٍ أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الارض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلًا أو نهارًا فجعلناها حصيدًا كأن لم تغنَ بالأمس كذلك نفصل الآيات لقومٍ يتفكرون" [2] ، وليس المقصود هنا أن هذه الأمراض تمثل عقوبةً إلهية في كل حال ولكل أحد، وإنما المقصود هو ما وجَّهت إليه الاية الكريمة؛ التفكُّر والتدبر:"كذلك نفصل الآيات لقومٍ يتفكرون".."

ثم انظر إلى العبودية التي تُستخرج بمعاينة هذا المشهد وتدبُّر هذه الفكرة، فعن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو:"أعوذ بك من البخل والكسل والهرم وأرذل العمر وعذاب القبر وفتنة الدجال وفتنة المحيا والممات" [3] ، وإن هذا الدعاء ممن عاين هذه الابتلاءات ورأى أثرها في الناس ليس كدعاء من لم يعاينها. وانظر إلى أشد غرابةً مما تقدم وهو أن بعض الأمراض النادرة جدًا تصيب الأطفال بحالة من الشيخوخة المبكرة، فترى الطفل وهو في سنوات عمره الأولى لم يتجاوز أربع أو خمس سنين وقد ظهرت كل معالم الشيخوخة والهرم عليه سواءٌ أفي مظهره الخارجي أم في أعضائه الداخلية - كالقلب والشرايين ونحوها - حتى تكاد تجزم أن من أمامك شيخٌ طاعنٌ في السن لا طفلٌ صغير، ولقد شاهد كاتب هذه الأسطر بعضًا من هذه الحالات، فسبحان الله تعالى ما أعظم قدرته وأكمل حكمته، ولكأني بلسان حال هؤلاء الأطفال يخاطب الناس: يأيها الغافلون الراكنون إلى صغر سنهم وصحة أجسادهم وبُعدهم عن الهرم وعن الشيخوخة وعن أرذل العمر انظروا إلى حالنا؛ ها نحن أطفال وقد تلبست بنا الشيخوخة وتنكست أجسادنا ولم يشفع لنا صغر سننا، فإلام تركنون وأي شيء تنتظرون من هذه الدنيا الفانية، أي شيء؟

(1) تفسير القرآن العظيم - ابن كثير - تفسير سورة يس

(2) سورة يونس - آية 24

(3) صحيح البخاري ومسلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت