وليس أحد قد رأى طفلًا مريضًا متألمًا إلا وهو يدرك هذه الحكمة إن كان سليم الفطرة يقظ الحس والشعور، ومن منا لا تتفطر كبده لمشاهدة ألم طفلٍ صغير أو معاينة بلائه؟ وكم من أناسٍ قد قست قلوبهم وتحجرت لا تكاد ترى منهم أي مظهر من مظاهر الشفقة أو الرحمة يقصرون تعاملهم مع الغير على الغلظة والشدة، حتى إذا أصيب ولده ببلاء أو صرخ صرخة ألم وجدته قد خارت قواه وانهار كبرياؤه وأخذ يتلفت يمنةً ويسرة باذلًا الغالي والنفيس لمن عساه يخفف من ألم ولده شيئًا. هذا فيمن عادته الغلظة والقسوة، فما بالك بالمؤمن مرهف الحس رقيق القلب، وما بالك بالصالحين والفضلاء وهم يعاينون هذا المشهد؟ وإنني أدعو نفسي وإياكم إلى تأمل هذا المشهد النبوي بما فيه من أسوة حسنة خيِّرة حيث روى أسامة بن زيد قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فأرسلت إليه إحدى بناته تدعوه وتخبره أن صبيًا لها - أو ابنًا لها - في الموت. فقال للرسول:"ارجع إليها فأخبرها: إن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجلٍ مسمى، فمُرها فلتصبر ولتحتسب". فعاد الرسول فقال: إنها قد أقسمت لتأتينها. قال: فقام النبي صلى الله عليه وسلم وقام معه سعد بن عبادة ومعاذ بن جبل وانطلقت معهم، فرُفع إليه الصبي ونفسُتقعقع كأنها في شنَّة [1] ، ففاضت عيناه. فقال سعد: ما هذا؟ [2] يا رسول الله. قال:"هذه رحمة جعلها في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء" [3]
فأنت ترى في هذا الحديث اختلاف تأثر النبي صلى الله عليه وسلم - وهو أرأف وأرحم الناس بأمته - فلم تفض عيناه لسماع الخبر كما فاضت لمعاينة الصبي وهو يعاني ألم الموت، فلله تعالى حكمته في استخراج هذه الرحمة من قلوب العباد والتظاهر بما لا يُغضب الله عز وجل من مظاهر الشفقة، ولولا أمثال هذه الابتلاءات لظلت هذه الخصلة الطيبة كامنةً ساكنةً في قلوب العباد لا يُرى لها أثر في تعاملهم مع الغير، فتأمل هذه الحكمة فإنها جليلةٌ جدًا.
ثالثًا: تجريد استعاذة العبد بالله والتجائه إليه:
فالمرض من الأمور التي لا يستطيع المرء دفعها ولا يستطيع الخلاص منها إلا بالتجاء تام إلى الله تعالى واستعاذة به تعالى من وقوعها ومن شرها بعد وقوعها. ولئن كان حال المرء كذلك مع نفسه، فإن هذا اللجوء إلى الله تعالى يكون أشد حاجةً عند العبد الذي يخشى على ولده أثر مرضٍ أو داءٍ أو مصيبة، فإذا بمشاهدة هذه الابتلاءات التي تصيب الأطفال تدفع بالعبد إلى مزيد تضرع والتجاء إلى الله تعالى
(1) كناية عن حشرجة الموت
(2) استشكل على سعد أن دمعت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ظانًا أنه من البكاء الممنوع شرعًا، فبيَّن النبي صلى الله عليه وسلم ما هو مشروع وما هو ممنوع
(3) صحيح مسلم