فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 47

حمايةً لولده ووقايةً له من هذه المصائب، وانظر إلى حديث ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوِّذ الحسن والحسين يقول: أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطانٍ وهامَّة ومن كل عينٍ لامَّة، ويقول: هكذا كان إبراهيم يعوِّذ إسحاق وإسماعيل عليهم السلام. [1] ، قلت: فإن شهود هذه الابتلاءات التي قد تصيب الطفل في أي وقت وساعة حريٌ بأن يدفع العبد إلى مداومة الاستعاذة بالله تعالى منها، ويالها من عبودية رائعة نسأل الله تعالى أن يبلغنا أعلى مراتبها.

رابعًا: عدم الركون إلى حال القوة والشباب:

لقد جرت سنة الله الكونية في خلق الإنسان أن يسير عبر مراحل متدرجة من الضعف فالقوة فالهرم كما بينت ذلك بتفصيل دقيق الآية الكريمة من سورة الحج:"يأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغةٍ مخلَّقة وغير مخلَّقة لنبيِّن لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجلٍ مسمى ثم نخرجكم طفلًا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يُتوفَّى ومنكم من يُردُّ إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علمٍ شيئًا" [2] ؛ فهذه المراحل المتدرجة تمثل سنة الله تعالى الكونية التي تعوَّدها الناس، وقد تستقر مشاهدة هذه العادة الجارية في أذهان الناس إلى حدٍ يوهم بحتميتها، ويتطلع الناس إلى سن الطفولة على أنها سن ازديادٍ في القوة والنماء والصحة، تليها سن الشباب واكتمال الأشُد والجسد في نماءٍ والقوة في ازدياد، وينسى - أو يتناسى - هؤلاء ما يلي ذلك من موتٍ مبكر أو طول عمر وتنكيسٍ في الخلق يعود فيه الإنسان إلى مظاهر ضعفه كما قال تعالى:"الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعفٍ قوة ثم جعل من بعد قوةٍ ضعفًا وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير" [3] ، والحاصل أن الناس قد يركنون إلى طور القوة وبلوغ الأشد بل قد يركنون إلى طور الطفولة باعتباره طور ترقٍ نحو الأفضل، فكان لا بد من تنبيه الغافلين وزجرهم عن الركون والطمأنينة إلى سببٍ دنيوي زائلٍ عارض والانتباه إلى أن عوارض الموت والانتكاس وإن جرت العادة بتأخرها إلى سن الهرم كما قال تعالى:"ومن نعمره ننكسه في الخلق أفلا يعقلون" [4] إلا أن هذه العوارض قد تتلبس بالأطفال واليافعين لتتحقق - بحكمة الله - الغاية من تنكيس الخلق وهي"أفلا تعقلون"؛ قال الحافظ ابن كثير في معناها:"أي يتفكرون بعقولهم في ابتداء خلقهم ثم صيرورتهم إلى سن الشيبة ثم إلى الشيخوخة ليعلموا أنهم خُلقوا لدارٍ أخرى لا"

(1) أخرجه الترمذي

(2) سورة الحج - آية 5

(3) سورة الروم - آية 54

(4) سورة يس - آية 68

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت