فهرس الكتاب

الصفحة 37 من 47

فإذا تحرر الأمر على ما تقدم فلا تثريب على الأبوين في هذه الحالة كما أنه لا تثريب عليهما في الحالة السابقة، ولكن هذه الحالة آكد في ضرورة تنبيه وتذكير الأبوين بمراجعة النية وتحريرها تحقيقًا لعبودية هذا المشهد واحترازًا عن مواطن الزلل فيه.

بقيت كلمة ها هنا وهي أنه طالما كان الأمر موضع اجتهاد بحسب الحالة والظروف والإمكانيات المتوفرة سواء أكان على مستوى الأفراد أم على مستوى الدولة المسلمة، فلا حرج البتة - والله أعلم - في أن تتبنى الدولة المسلمة موقفًا أو اجتهادًا معينًا يكون ملزمًا لها ولمن فوَّض الأمر إليها في القرار لتنضبط مسيرة العمل في المجال الطبي إذ أن هذه المسائل ليست بالنادرة ولا بالقليلة لا سيما مع تقدم الإمكانات العلمية والطبية، ولسوف تبقى عرضةً للمواقف الفردية ما لم تنضبط بقرارٍ موحدٍ ملزم، كما أن على الأفراد أن يتفهموا أن قرار الدولة يأخذ في عين الاعتبار تكاليف هذه المداخلات والعلاجات التي قد تكون مديدة وتوازن بين هذه المصالح التي سردناها - وهي مصالح فردية بالطبع - ومصالح المجتمع إذ أن تكاليف العناية المركزة المديدة لطفل واحد قد تكفي لعلاج مئات الأطفال من أمراض بسيطة يمكن شفاؤها، أما لو كانت الدولة في سعة فالأمر واسعٌ حينذاك، وعلى كل حال فهذه المسألة تعود إلى سياسة الدولة على أن يراعى فيها شرع الله تعالى وتحكيم ميزان المصالح والمفاسد العامة، وإنما نبهت إلى هذا حتى لا يسيء الأفراد الظن في حكومتهم الإسلامية.

سؤال: لقد ابتلاني الله عز وجل بطفل مصاب بتشوه خلقي، وكان الأطباء قد سألوني وزوجي عن وجود قرابة بيننا وأنا الآن أشعر بالذنب لأنني تزوجت من قريب لي وأشعر أنني السبب في مرض طفلي، فما توجيه هذا الكلام؟

جواب: إن ما لا كسب للعبد فيه لا وزر للعبد عليه، وإن الله تعالى الرؤوف بنا الرحيم ما كان ليعاقب أحدًا على ما ليس له في كسبه يد ولا حيلة، كما أن شريعتنا الغراء إذا ما أذنت بأمر من الأمور عفت عن لوازمه لأن هذه اللوازم ليست مقصودةً لذاتها، وطالما أن الله عز وجل قد أباح لنا الزواج من الأقارب غير المحارم فلا يمكن أن يرتب الله تعالى على فعل هذا المباح ذنبًا ولا وزرًا ولا عقوبةً، وهذا كله راجعٌ إلى الأصل الكلي:"لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت" [1]

أما بالنسبة لزواج الأقارب والأمراض الخلقية عند الأطفال فأقول - وبالله التوفيق - ما يلي:

إن الأمراض الخلقية تنقسم بهذا الاعتبار إلى أمراض وراثية وغير وراثية؛ أما الحالات غير الوراثية فإن نسبة التكرار في الأحمال التالية قد تزداد قليلًا عند الزوجين الذين أصيب أحد أطفالهما بمثل هذه الأمراض مقارنة بعامة الناس ولا تتأثر هذه الزيادة بقرابة الزوجين أو عدم تلك القرابة, أم الحالات الوراثية وهي

(1) سورة البقرة - آية 286

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت