خيارٌ صحيح له ما يشهد له من الشرع وما يبين قيمته وأثره على العبد، وأنه لا يحوز التثريب على من اختار هذا السبيل واتهامه بعدم الفهم وعدم وعي طبيعة المرض أو أنه ساذج أو بسيط [1] ، ولكن أنبه إلى أن هذا الخيار لما كان يترتب عليه الكثير الكثير من الالتزامات والأعباء المالية والحسية والاجتماعية مما قد لا يتوفر لكل أحد أو قد لا تستطيع الدولة المسلمة تقديمه فإن ضابطه - من حيث اللزوم عند من يرى لزومه - هو الاستطاعة، بناءً على القاعدة الكلية في شريعتنا الغراء:"لا يكلف الله نفسًاُ إلا وسعها" [2] ، وأن التكليف لا يكون بما لا يطاق كما هو مقرر في الأصول.
وأما لو كان العبد غير مكلفٍ قبل المرض فإن التوجيه بالصبر والاحتساب لأبويه - أو وليه - لا ينقطع مهما اشتدت وطأة المرض على الطفل، وإن مدة حياة الطفل المعتمدة على أجهزة وأدوية ليست مستثناةً من ذلك إذ لا دليل على الاستثناء، بل إن من نظر إلى عموم [3] قوله صلى الله عليه وسلم:"في كل كبدٍ رطبةٍ أجر" [4] لم يخطر بباله أن يستثني منها طفلًا قد بلغ به المرض الحاجة إلى هذه الأجهزة والأدوية لتستمر حياته لا سيما وأن هذا الحديث قد ورد في البهائم [5] ، ولا أحسب أحدًا يجرؤ على وضع الطفل المريض المعتمد على هذه الأجهزة في منزلة دون تلك المنزلة!
والخلاصة هاهنا أن تمام عبادة التوكل يكون بالمبالغة بالأخذ بالأسباب التي هي من حقيقة التوكل على خالقها، وأن تمام الرضا بالقدر هاهنا يكون بالمبالغة بالأخذ في الأسباب التي هي من القدر كما في الحديث السابق.
وأما الحالة الثانية فهي أن يختار الأبوان - أو ولي الطفل - عدم التمادي والمبالغة في تعاطي الأسباب العلاجية العرضية على ألا يكون يأسًا أو قنوطًا وإنما قبولًا وانقيادًا لقضاء الله تعالى فيما ابتلى به هذا الطفل، فتُخرَّج هذه الحالة على مبادئ جواز ترك العلاج صبرًا ورضى واحتسابًا بحيث يكون تمام التوكل هاهنا هو ترك شهود الأسباب وتفويض المشهد برمته إلى الخالق عز وجل استسلامًا وانقيادًا وانطراحًا على عتبة عبوديته عز وجل، ولسان حال المرء في هذا: رب أنت خالقي ومولاي قد تبرأت من الحول والقوة إلا إليك وفوضت أمري وأمر ولدي إليك فما قضيت به فأنا به راضٍ وليس لي غاية في هذا الأمر كله إلا رضاك ...
ولما كانت هذه الحالة قائمة على الترك - أي ترك الأسباب - كان محل العمل القلب اعتقادًا بعبودية التوكل واللسان إقرارًا بالبرء من الحول والقوة وكان لازمًا وحتمًا أن تتحرر النية تحريراًَ سليمًا دقيقًا لأن مدار الجواز أو الحرمة في هذا الترك إنما هو النية كما تبين.
(1) وقد سمعت شتى أنواع التعليقات والأوصاف هذه في سياق عملي كطبيب
(2) سورة البقرة - آية 286
(3) ولم يستثنِ العلماء من هذاالعموم إلا حالات قليلة كالعدو المحارب ونحوه للأدلة الدالة على ذلك
(4) صحيح البخاري - باب المساقاة
(5) وهو في الرجل الذي أدخله الله الجنة بسقياه كلبٍ عطشِ