فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 47

لاتخاذ مثل هذا القرار وهذا واضح في حديث أم المؤمنين عائشة في مرض ووفاة النبي صلى الله عليه وسلم. [1]

وعلى هذا فإن الجواب على السؤال المتقدم حول لزوم التداوي من عدمه لمن أزمن معه المرض العضال المستعصي فلا بد فيه من التفصيل على حالتين اثنتين، فنقول وبالله التوفيق:

أما الحالة الأولى فإذا أراد الأبوان - أو ولي الطفل - المضي في أخذ أسباب العلاج بأنواعها من باب استفراغ الجهد والمبالغة في أخذ الأسباب المأمور بها مع احتساب ما قد يعانيه الطفل والأبوان من ألم ومشقة مترتبة على تعاطي هذا الأمر المشروع في أصله فظاهر النصوص يؤيد هذا من هذا الوجه، على ألا يكون فيه نوع مراغمة لقضاء الله وقدره وتسخط على المقدور ومعاندة له، ولا قيمة البتة لما يلقي به البعض من شبهات حول قيمة هذه الحياة التي يقضيها الطفل أو المريض وهو على أجهزة الإنعاش أو نحوها لا يأتي بحركة ولا ينبس ببنت شفة، قلت: لا قيمة لهذا الهراء البتة لأن المريض الذي يعيش معتمدًا على أجهزة مساعدة أو أدوية مساعدة لا يخرج عن حالين؛ فإما أنه قبل هذه الحالة كان مكلَّفًا أو غير مكلّف فإن كان مكلَّفًا فإن مدة حياته هذه فيها فائدةٌ عظيمة له يدركها من سمع قول المعصوم صلى الله عليه وسلم:"إذا مرض العبد أو سافر كُتِب له مثل ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا" [2] ، قلت: فهذه الأيام أو الساعات أو الدقائق التي قد يعيشها المريض ويتساءل الكثير ممن يعمل في مجال الطب وغيره عن قيمتها فهم لا ينظرون إلى قيمة الحياة - للأسف - إلا من منظور المادة ولذة الجسم فإذا لم يمكن المرء متحركًا ناطقًا آكلًا شاربًا ناكحًا فلا قيمة لحياته، قلت: هذا في عقولهم هم، أما في ميزان شريعتنا الغراء فنقول إن هذا الحديث العظيم وهو يبين لنا القيمة الحقيقية لحياة الإنسان وأن ما يمضي من عمره إنما يُقاس بالعمل وأن فضل الله تعالى ورحمته ومنته بعبده أنه إذا ابتلاه بمرض أو سفر أقعده عن أداء ما التزمه سابقًا من عبادات فإنه يكتب له من الأجر وكأنه لا يزال يعمل طالما هو في مرضه أو سفره، فأي قيمة عظيمة لهذه الفترة الممتدة من حياة هذا المريض والقلم يجري بحسناته ولا سيئات له، أي قيمة عظيمة لهذا في يوم توزن فيه الأعمال حتى إن المرء ليبحث عن الحسنة الواحدة يحتاجها ليثقل به ميزانه وينجو من النار؟

هذا جوابنا على من تساءل عن قيمة هذه الحياة، ولا يعني هذا أنه هذا الخيار - أي المضي في أخذ أسباب العلاج بأنواعها حتى الرمق الأخير على الوجه الذي بينته - أنه لازم، وإنما قصدت بيان أنه

(1) وقد يضطر الطبيب أحيانًا إلى اتخاذ تدابير إسعافية إذا كان الوقت لا يسمح باستشارة المريض، ولكن هذه الحالات يكون تصرف الطبيب بالفعل لا بالترك وبتعاطي أسباب العلاج لا بالتخلي عنها.

(2) صحيح البخاري - كتاب الجهاد والسير

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت