فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 47

به ذلك كما هو ظاهر في سياق الخبر كما ترى والله أعلم" [1] انتهى كلام الحافظ ابن حجر. قلت: وأيًا كان المعنى فإن كلاهما موافق لجواز ترك التداوي في مرض الموت - شريطة ألا يكون يأسًا أو بنية الانتحار لقيام الأدلة على منع ذلك - إما على سبيل تحقق غلبة الظن بكونه مرض موت، وإما لعدم موافقة الدواء وملائمته للموت الذي يجمع الجميع على عدم وجود دواء له، فصحَّ - والله أعلم - ترك التداوي في هذه الحالة على أي المعنيين حملت إنكاره صلى الله عليه وسلم للتداوي في مرض موته الذي عرفه. وتطبيق هذا في واقعنا المعاصر أقرب ما يكون في مسائل أجهزة الإنعاش والأدوية أو الأجهزة الداعمة لحياة المريض مع غلبة الظن بتحقق الموت ومقدماته، وكذلك بعض علاجات السرطانات المتقدمة المستعصية على العلاج وحالات الفشل الكلوي أو الكبدي أو الدماغي المعندة وغير ذلك، فإن هذا الدواء ليس بملائم للداء من جهة ولا يغير في محصلة المرض ونتيجته من جهة أخرى اللهم إلا على وجه إطالة أمد الحياة مطلقًا طالمًا لم يحل الأجل المحتوم."

بناءٌ على ما تقدم يمكننا أن نثبت جملةً من الأمور وهي:

1 -عدم جواز ترك العلاج في أي حالةٍ من الحالات إذا كان ذلك يأسًا وقنوطًا من رحمة الله أو تبرمًا وتذمرًا من قضاء الله تعالى وقدره، قال تعالى:"إنه لا ييأس من رَوح الله إلا القوم الكافرون" [2]

2 -إن الأخذ بأسباب التداوي مشروع ولا ينافي التوكل والرضا بالقدر، وقد ورد ذلك صراحةً في حديث أبي خزيمة عن أبيه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله أرأيت رقى نسترقيها ودواءً نتداوى به وتُقاةً نتقيها هل ترد من قدر الله شيئًا؟ قال:"هي من قدر الله" [3]

3 -إن ترك التداوي صبرًا واحتسابًا جائز، ولكن لا بد من ضابط يضبط هذه المسألة وهي ألا يكون ترك الدواء مفضيًا إلى هلاكٍ محققٍ على الفور من جهة ترك السبب الذي يغلب الظن بتحقق الشفاء به لأن هذا فيه شبهة قتل بتعريض النفس للتهلكة [4] .

4 -مهما أمكن استشارة المريض _ أو وليه - في الخيارات العلاجية المعقولة والمتوفرة فإنه لا يصح للطبيب أن يستقل بأخذ القرار دون مراعاة اختيار المريض أو وليه إذا كان أهلًا

(1) فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر العسقلاني - 496/ 8

(2) سورة يوسف - آية 87

(3) رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح

(4) قد يستشكل على الاستدلال بحديث المرأة السوداء أن بعض حالات الصرع يمكن أن تؤدي إلى الموت - كما هو مشاهدٌ ومعروف طبيًا اليوم - فكيف يصلح الاستدلال بجواز ترك العلاج من هذا الحديث، والجواب أن احتمال الموت المراد التحرز منه هو ما ترتب على ترك العلاج على الفور، كمريض مصاب بنوية ربوية شديدة يهلك بها إذا لم يأخذ الدواء فورًا، فهذا غير جائز والله أعلم، أما ترك المرأة السوداء للعلاج فلا يترتب عليه غلبة الظن بالموت أو الهلاك أو التلف على الفور، فهذا فارقٌ دقيق قتنبه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت