العلاجات العرضية فمحل تأثيرها هو تخفيف شدة الداء وهذا يتعلق بقوة العبد وقدرته على الثبات فقد يستغني البعض عن العلاج العرضي مطلقًا وقد يحتاج إلى طلبه لقلة تحمله ولذا يُترك أمر طلب هذا النوع من العلاج إلى كل امرئ على حدة بحسب صبره وتحمله واستسلامه وانقياده لأمر الله عز وجل.
فإذا استعرضنا طائفةً أخرى من النصوص الشرعية ومنها حديث عكاشة - في السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب - فقال النبي صلى الله عليه وسلم مبيِّناُ من هم:"هم الذين لا يتطيرون ولا يكتوون ولا يسترقون [1] وعلى ربهم يتوكلون" [2] فقد استدل بهذا الحديث على جواز ترك التداوي توكلًا على الله تعالى- ولعل هذا يُضبط بعدم جواز ترك ما في تركه ضرر محقق كتلف عضو أو نحوه- بل إن جواز ترك التداوي أشد صراحةً ووضوحًا في حديث المرأة السوداء، وأسوقه بأكمله لفائدته ولأنه أصلٌ عظيم في باب التداوي، فعن عطاء بن أبي رباح قال: قال لي ابن عباس: ألا أريك امرأةً من أهل الجنة؟ قلت: بلى. قال: هذه المرأة السوداء أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إني أُصرع وإني أتكشف، فادع الله لي. قال: إن شئت صبرتِ ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك. قالت: أصبر. فقالت: إني أتكشف فادع الله لي أن لا أتكشف. فدعا لها. [3] قال الحافظ ابن حجر: وفيه - أي الحديث - جواز ترك التداوي. قلت: وهذا الحديث قويٌ جدًا في هذا المعنى لأن الدواء الذي كان متوافرًا لهذه المرأة - وهو دعاء النبي صلى الله عليه وسلم بالشفاء وهو القمين بأن يجاب بإذن الله - دواءٌ شافٍ بإذن الله ومع ذلك أذن النبي صلى الله عليه وسلم في تركه صبرًا واحتسابًا وطلبًا للأجر بل للجنة، وهذا يدل من باب أولى على جوزا ترك الدواء إذا لم يكن شافيًا للداء أو إذا لم يغلب الظن بتحقق الشفاء به، فإن تركه توكلًا جائزٌ من باب أولى والله أعلم.
وانظر إلى أصرح من ذلك فيما يتعلق بترك التداوي في مرض الموت، ففي الحديث الصحيح عن عائشة - في باب مرض النبي صلى الله عليه وسلم ووفاته - قالت: لددناه [4] في مرضه، فجعل يشير إلينا:"أن لا تلُدُّوني". فقلنا كراهية المريض للدواء [5] ، فلما أفاق قال:"ألم أنهكم أن تلُدُّوني"قلنا كراهية المريض للدواء فقال:"لا يبقى أحد في البيت إلا لُدَّ"وأنا أنظر إلى العباس فإنه لم يشهدكم. [6] قال الحافظ ابن حجر:"قيل: وإنما كره اللد مع أنه كان يتداوى لأنه تحقق أنه يموت في مرضه، ومن حقق ذلك كره له التداوي. قلت - والكلام هنا لابن حجر: وفيه نظر، والذي يظهر أن ذلك كان قبل التخيير والتحقيق [7] ، وإنما أنكر التداوي لأنه كان غير ملائم لدائه، لأنهم ظنوا أن به ذات الجنب فداووه بما يلائمها، ولم يكن"
(1) "يتطيرون"من التطير هو التفاؤل أو التشاؤم بأمارات معينة، و"يكتوون"من الكي وهو معروف، و"يسترقون"أي يطلبون الرقية لرفع المرض.
(2) صحيح البخاري - كتاب الطب - باب من لم يرق
(3) صحيح البخاري - كتاب المرضى
(4) لددناه: أي جعلنا في جانب فمه دواءً بغير اختياره وهو ما يعرف باللدود.
(5) أي أنهم ظنوا أن نهيه صلى الله عليه وسلم عن لدِّه لم يكن على الحقيقة وإنما هو كما يكره المريض أخذ الدواء إما لمرارة طعمه أو تقلب مزاجه أو نحوه، ثم تبين أن نهيه صلى الله عليه وسلم كان على الحقيقة فأمر بلدِّهم تأديبًا لهم عن مخالفة أمره ورحمةً بهم أن يموت وهم على حال مخالفة أمره صلى الله عليه وسلم.
(6) صحيح البخاري - باب مرض النبي صلى الله عليه وسلم وفاته
(7) أي تخيير النبي صلى الله عليه وسلم بين مد أجله واللحوق بالرفيق الأعلى كما هي سنة الأنبياء والرسل