جواب: لقد شرع الله تعالى التداوي لإزالة ضرر المرض وأثره، وقد صح في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ما أنزل الله داءً إلا أنزل له شفاء" [1] ، وفي الحديث عن أسامة بن شريك قال: قالت الأعراب: يا رسول الله أنتداوى؟ قال:"نعم يا عباد الله تداووا، فإن الله لم يضع داءً إلا وضع له شفاءً - أو قال دواءً - إلا داءً واحدًا"قالوا: يا رسول الله وما هو؟ قال:"الهرم" [2]
فأنت ترى هذه النصوص تشير إلى أمور منها:
1 -جواز التداوي
2 -لكل داء دواء - وإن لم نكن قد اكتشفناه بعد - إلا الهرم، ولازمه الموت
3 -إن ظاهر النصوص يشير إلى الأدوية الشافية التي تؤدي إلى برء المرض وزواله، وهذا ما يصطلح عليه اليوم بين الأطباء بالعلاج السببي أو النوعي.
وأحب أن أفصِّل قليلًا في مسألة نوع العلاج لأن له تعلقًا كبيرًا بالإجابة على هذا السؤال؛ فالعلاج أو الدواء ينقسم عمومًا إلى نوعين: علاج سببي نوعي وعلاج عَرَضي.
أما العلاج النوعي السببي فهو الدواء الذي يؤثر في سبب المرض الأصلي بحيث يؤدي تعاطيه بالطريقة الصحيحة إلى شفاء المرض بإذن الله تعالى، ومثاله ما يصيب المرء من إنتان ببعض الجرائيم فيعالج بالمضاد الحيوي المناسب الذي يقتل الجرثومة التي أصابت الجسم فيحصل الشفاء بإذن الله. ولعل هذا النوع هو ما تشير إليه نصوص الأحاديث المذكورة أعلاه.
وأما العلاج العَرَضي فهو لا يؤثر في سبب المرض ولا يؤدي إلى زواله وإنما يؤثر في بعض الأعراض الناجمة عن الداء فيخفف أثرها على المريض دون أن يستحصل شفاءً أو بُرءًا من الداء، ومثال ذلك الأدوية المخففة للألم أو الحمى فهذه تعطى لتخفيف أثر الحمى والألم المرافقين لكثير من الأمراض فيشعر المريض بالراحة إن شاء الله ولكنها لا تؤثر أبدًا في حصول الشفاء من الناحية السببية. ويدخل في هذا النوع من العلاجات كل أنواع الأجهزة الطبية التي تعين بعض الوظائف البدنية المختلة كأجهزة غسيل الكلى وأجهزة التنفس وأجهزة أو أدوية مساعدة الدوران القلبي، فهذه ومثيلاتها كلها علاجات عرضية تخفف من أعراض المرض ومضاعفاته ولكنها لا تؤثر البتة في سبب الداء وبالتالي لا يمكن أن تكون علاجات شافية من الناحية السببية.
وأود التنبيه على فرقٍ مهم في هذه الناحية، وهو أن توجيه الشريعة إلى التداوي طلبًا لبرء الداء وشفائه مجاله العملي هو العلاجات السببية، بحيث يكون تعاطي هذه العلاجات من باب الأخذ بالأسباب الذي لا ينافي التوكل بل هو من التوكل [3] ومن هنا كان الخطاب العام لعباد الله بطلب الدواء، أما
(1) صحيح البخاري - كتاب الطب - باب ما أنزل الله داء
(2) رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح
(3) وإنما قلنا إن الأخذ بالأسباب من التوكل لأن خالق الأسباب هو الله وخالق آثارها هو الله، فعندما يتعاطى المسلم السبب فإنه في الحقيقة يكل أمرها إلى الله لتحصل آثارها