فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 47

أما توجيه وضبط الشعور بالأسى تجاه المعاناة والشدة التي يعانيها الطفل وقد يستثقلها المرء عليه، فإني أقول - وبالله التوفيق - إن هذا الشعور إنما هو ناجمٌ عن عاطفة المحبة القوية والشديدة لهذا الطفل والولد، وهو شعور جِبِلِّي لا يؤاخذ عليه المرء ما دام منضبطًا بضوابط الشرع إن شاء الله، ولكي نخفف من وقعه وأثره على النفس ونضبطه بما يرضي الله عز وجل فحسب أحدنا أن ينظر إلى حال من هو أشد حبًا في نفوسنا وأسمى وأعلى مكانةً في قلوبنا من أولادنا - بل وأنفسنا - ألا وهو المصطفي صلى الله عليه وسلم كما في الحديث الصحيح:"لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين" [1] ، فإذا تقرر هذا الحب فلينظر أحدنا كيف كان بلاؤه وشدة مرضه بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم؛ فعن مسروق عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما رأيت أحدًا أشد عليه الوجع من رسول الله صلى الله عليه وسلم" [2] ، وعن الحارث بن سويد عن عبد الله قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يُوعَك، فقلت: يا رسول الله، إنك توعك وعكًا شديدًا. قال:"أجل، إني أوعك كما يوعك رجلان منكم"، قلت: ذلك بأن لك أجرين؟ قال:"أجل، ذلك كذلك، ما من مسلم يصيبه أذى شوكة فما فوقها إلا كفَّر الله بها سيئاته كما تحط الشجرة ورقها" [3] ، قلت: فإذا تذكرنا شدة المرض والتوعك والألم الذي أصاب النبي صلى الله عليه وسلم وهو أحب خلق الله تعالى إلينا خفف ذلك عنا ما نعانيه تجاه ألم وتوعك من هو دون النبي صلى الله عليه وسلم في المحبة، فتأمل هذا فإنه دقيقٌ جدًا."

ومن جهة أخرى، فإن مشاهدة أثر الصبر على الأذى والبلاء في تكفير الذنوب والخطايا - وهي هنا ذنوب وخطايا الأبوين جزاء صبرهما على ابتلاء فلذة كبدهما - يعين على ضبط وتوجيه هذه المشاعر والعواطف بما ينفِّس الكرب من جهة، ولا يقدح في الرضا بقضاء الله عز وجل من جهة أخرى، والله تعالى أعلم.

سؤال: إن الطفل المصاب بمرض عضال أو مستعصٍ على أنواع العلاج المعروفة قد يصل إلى حدٍ شديد من العجز والتعطيل شبه التام لوظائف الدماغ والحركة والتواصل، ولا يتبقى سوى علاجات تسبب مضاعفاتٍ شديدة - كعلاجات بعض السرطانات - أو علاجات عرضية أو إنعاشية مساعدة لدعم أجهزة الطفل ووظائف البدن الحياتية (كالتنفس والنبض) ، فهل يلزمني الاستمرار في هذه العلاجات لاسيما إذا كانت غير مجدية في علاج المرض الأصلي وقد تزيد من شدة الأمر على الطفل؟

(1) صحيح البخاري - باب الإيمان

(2) صحيح البخاري - كتاب المرضى - باب شدة المرض

(3) صحيح البخاري - كتاب المرضى - باب أشد الناس بلاءً

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت