رضي الله عنهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: حرم الله مكة فلم تحل لأحد قبلي ولا لأحد بعدي، أحلّت لي ساعة من نهار، لا يُخْتلى خلاها، ولا يُعضد شجرها، ولا ينفر صيدها، ولا تلتقط لقطتها إلا لمعرّف ... إلى آخر الحديث [1] .
فهذا الحرمُ كلُّه من اخِتصَاصِ البيت، تُقامُ فيه مصالح البيت نفسه، غير أنه أَذِنَ للنَّاس أن يضعوا أيديهم على ما زاد عن مصالح البيت، وينتفعوا به، على أنَّ مصالحَ البيت لو احتاجت يومًا ما إلى شيء مما بأيدي النَّاس من الحرم، أُخِذَ منهم، ووفِّيت به مصالح البيت.
والآية الكريمة: {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [2] أمرٌ من الله عز وجل لإبراهيم وإسماعيل عليهما السلام بتطهيره من الأصنام، وعبادة الأوثان فيه [3] ، فمقصود ذلك هو إزاحة كل الأصنام والأوثان عن البيت وتهيئته للطائفين والمصلين.
قال المعلمي: فأمر الله تعالى تطهير ما حول البيت للطَّائفينَ والعاكفين والمصَلِّينَ، وكما يوجب تطهير الموضع لهؤلاء يقتضي أن يكون الموضع بحيث يسعهم، ولا تقتضي الحكمة أن يوسع الموضع من أول مرة إلى الغاية التي يعلم أنه لن يضيق بالناس مهما كثروا إلى يوم القيامة، وإنما تَقْتَضِي أن يكون أولًا بحيث يكفي النَّاسَ في ذلك العَصْر، ومع ذلك، فلا ريب أن الناس إذا كثروا بعد ذلك ولم
(1) أخرجه البخاري في صحيحه: 1/ 452 (1284) . 46.
(2) سورة البقرة: آية: 125.
(3) تفسير الطبري (طبعة التركي) : 2/ 531.